|
إن دراسة تاريخ القدس وتاريخ فلسطين بصورة عامة تقدم لنا الأجوبة الصحيحة الوافية عن تساؤلات مطروحة بفعل المقولات الصهيونية حول القدس وفلسطين. ويمكننا أن نجمل هذه التساؤلات في ثلاثة عناوين نحاول تسليط الضوء عليها.

أولا : ما هي أصوله ؟ وكيف تحددت ملامحه؟ وما هو عطاؤه الحضاري؟
وما مكان اليهود الفلسطينيين منه؟ وما مكان التراث اليهودي وفي فلسطين من تراثه؟
ثانيا : ما هي الحقائق الخاصة بالقدس وتاريخها عبر العصور؟
ثالثا : كيف وفر شعب فلسطين في ظل الحكم الإسلامي حرية العبادة لجميع المؤمنين في القدس، وخدم الأماكن المقدسة وحماها؟
إن تاريخ القدس وفلسطين موغل في القدم. فهو لا يقف في مداه عند بدء عصر الكتابة في فلسطين أوائل الألف الثالث قبل الميلاد، بل يتجاوزه إلى عصور ما قبل التاريخ التي شهدت ظهور الإنسان العاقل في فلسطين. وهذا التاريخ هو ثمرة تفاعل الإنسان في فلسطين مع بعد الزمان وبعد المكان.
إذا تعرفنا على بعد المكان المتمثل في رقعة الأرض المباركة التي تحمل اسم فلسطين نجد أن هذه الرقعة تقع في الغرب من قارة آسيا بين خطي عـرض 30 29 و15 33 شمالا وبين خطي طول 15 34 و 40 35 شرقا. وهي القسم الجنوبي من بلاد الشام الذي يصلها بمصر وفي موقع القلب من الوطن العربي. وتبلغ مساحتها 009 ر28 كلم2 أو 429 ر10 ميلا مربعا. وهي تشمل منطقة ساحلية تطل على البحر الأبيض المتوسط، ومنطقة جبلية ، وغورا ومنطقة صحراوية وقد تفاعلت في هذه الرقعة عوامل عدة.
أولها - الموقع الاستراتيجي الذي تحتله فلسطين بين القارات الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا، والذي يجعل منها حلقة اتصال ومركزا لتفاعل الثقافات والحضارات.
ثانيها - الوضع الجغرافي لفلسطين ولبلاد الشام عامة ، حيث يتقطع سطح الأرض فتضيق البيئة ولا تتسع اتساعا كافيا لنشوء سلطة قوية، وحيث تتناوب الأراضي المنخفضة والأراضي المرتفعة وتحاذي بعضها بعضا من الشمال إلى الجنوب، ويتجاور السهل مع الجبل ومع الصحراء، وتتتالى الفصول الأربعة كما هو الحال في حوض البحر الأبيض المتوسط عموما.
ثالثها - احتواء فلسطين على نمطي البداوة والحضارة، مما جعلها مسرح تفاعل متواصل بين البدو الرحل والمستقرين، فيه التعاون وفيه التدافع، الأمر الذي ربط تاريخها بتاريخ موجات تحول البدو إلى سكنى القرى والمدن.
رابعها - مجاورة فلسطين لأقدم مركزين حضاريين عرفهما الإنسان، وهما الحضارة السومرية البابلية في بلاد الرافدين شرقا، والحضارة المصرية في وادي النيل في الجنوب الغربي. وهكذا دخلت فلسطين ضمن المجال الحضاري لحضارات المنطقة، وتعرضت في الوقت نفسه لتأثيرات من جهة البحر حيث كريت واليونان وإيطاليا ، ومن جهة البر حيث فارس والهند شرقا. وقد أصبحت بفعل ذلك جزءا من طريق دولي قديم مبدأه في دلتا النيل ونهايته شط العرب، وله عدة تفرعات تنتهي على البحر المتوسط.
لقد قامت مدينة القدس في موقع يتميز من أرض فلسطين جعل منها "صرة الوطن المقدس وملتقى أقطاره". الأمر الذي حدا ببعض العلماء الأقدميين إلى اعتبارها مركز الكوكب الذي نعيش على سطحه. وقد بنيت القدس على مرتفعات أربعة تحيط بها مجموعة وديان. ويدور في فلك القدس عدد من المدن والقرى. ولموقعها هذا أهمية استراتيجية وأهمية دينية.
وننظر في بعد الزمان فنجد أن تاريخ القدس وفلسطين هو تاريخ متصل على مدى العصور حافل بأحداث كثيرة. ويمكننا أن نقسم هذا التاريخ إلى قسمين رئيسيين تصل بينهما الانطلاقة العربية بالإسلام في القرن الهجري الأول - القرن السابع الميلادي - واختيار هذا الحدث ناتج لما كان له من تأثير على القدس وفلسطين والمنطقة العربية عموما، بحيث يمكن أن نميز بين ما قبله وما بعده. وقد مر تاريخ القدس وشعب فلسطين في كل من هذين القسمين بعدة أدوار، وكان بصفة عامة تاريخا متنوعا، محافظا على وحدته.
أولا : الحقائق الخاصة بشعب فلسطين
ثانيا : الحقائق الخاصة بالقدس وبتاريخها عبر العصور
ثالثا : حرية العبادة في ظل الحكم الإسلامي
: رابعا مكانة القدس عند المسلمين
خامسا : الغزو الصهيوني للقدس وفلسطين
أولا : الحقائق الخاصة بشعب فلسطين
أ) أصوله وملامحه :
بدأت ملامح شعب فلسطين في عصور ما قبل التاريخ مع ظهور الإنسان القديم "المدرك" على أرض فلسطين. وقد اكتشفت آثار هذا الإنسان العاقل في عدة مواقع. واتضحت هذه الملامح مع تدرجه في سلم الحضارة مرورا بالعصر الحجري القديم وبالعصر الحجري الوسيط الذي استمر نحو ستة آلاف عام اعتبارا من الألف الثاني قبل الميلاد وشهد نشوء حضارة النطوف، وبالعصر الحجري الحديث الذي دام الفي سنة وشهد تقدما ملموسا في الزراعة وتربية الحيوان وصناعة الخزف، وبالعصر الحجري النحاسي بعد اكتشاف المعدن الذي شهد حضارتي الغسول وجازر، وشهد ازدهار مدينة أريحا أقدم مدن العالم.

واتضحت ملامح شعب فلسطين أكثر فأكثر بعد الهجرات الرئيسية التي جاءت إلى فلسطين والمنطقة من قلب الجزيرة العربية ومن أطرافها، وحملت معها العموريين والكنعانيين ثم العبرانيين والأراميين. وكانت فلسطين والهلال الخصيب عموما منطقة جذب سكاني مرتبطة بجزيرة العرب التي هي مركز طرف سكاني. وتعرف هذه الهجرات بالهجرات السامية أو العربية. وقد كان للهجرة الكنعانية اثر كبير في طبع البلاد بطابعها الذي حافظت عليه منذ الالف الرابعة قبل الميلاد. وعرفت فلسطين باسم أرض كنعان مع أجزاء من سوريا ولبنان وكان هذا هو أول اسم لفلسطين. وبقي الكنعانيون في فلسطين منذ دخولهم إليها. واندمجت فيهم موجات الهجرة التالية. وتميزت فلسطين بمقدرتها على امتصاص القادمين الرحل أو نصف الرحل بتشجيعهم على أن يصبحوا مستقرين. ويضرب المؤرخ فيلب حتى مثلا على ذلك بالعبرانيين.
فقد أتى الشعب الذي عرف بهذا الاسم بشكل متجولين ومغامرين ومرتزقة وجنود ا ارتباط لهم، ثم استقر بالتدريج بين السكان الذين كانوا أرقى منه، فتعلم منهم حرث الأرض وبناء المنازل وممارسة فنون السلم وأهم من ذلك القراءة والكتابة، واتخذ الكنعانية لغة لهم، وأصبح وارثا المظاهر الأساسية للحضارة الكنعانية.
وانصهرت في بوتقة شعب فلسطين جماعات من شعوب أخرى مرت بالبلاد أو اقتربت منها مثل الحيثيين والحويين، أو استقرت بها مثل الفلسطينيين الذين اعطوا أرض كنعان اسمهم. وجميع هذه الجماعات هندية أوروبية في الأصل حسب رأي بعض المؤرخين كما انصهرت في بوتقة شعب فلسطين جماعات من الشعوب التي حكمت البلاد من فرس ويونان ورومان غربيين وروم شرقيين، آثرت البقاء في فلسطين واتخاذها وطنا.
استكمل شعب فلسطين صورته وتحددت هويته وتبلورت شخصيته في أعقاب الفتح العربي الإسلامي لفلسطين في القرن الهجري الأول - السابع الميلادي. ودخلت فلسطين والمنطقة العربية عموما مرحلة جديدة من تاريخها لم تكن مقطوعة عن المراحل التي سبقتها، ولكنها تميزت بما شهدته من تطور بلغت فيه درجة النضج والتبلور. وعاشت فلسطين كجزء من المنطقة تحولا عظيما حدث فيها خلال ذلك القرن. وحمل الفتح العربي الإسلامي معه إليها موجة جديدة من عرب الجزيرة العربية، وغدت اللغة العربية لغة شعب فلسطين، وحدث التحول من اللغة الارامية إليها بسهولة لأن اللغتين تنحدران من أرومة لغة واحدة ، واعتنق عدد كبير من الشعب الدين الإسلامي في المدن أولا ثم في الريف وكان اسم العرب قد تردد في تاريخ فلسطين عبر مراحله المتتالية مع الهجرات التي جاءت من الجزيرة العربية. واستمرت فلسطين عربية طيلة حقب التاريخ التالية مع تعرضها أكثر من مرة للغزو التوطيني.
ب) عطاؤه الحضاري :
على مدى هذه الرحلة عبر العصور بنى شعب فلسطين حضارته التي هي جزء من حضارة المنطقة. واسهم في إغناء التراث الإنساني، وتدرج في سلم الحضارة وخاض عملية التفاعل الحضاري مع حضارات أخرى.
لقد أقام شعب فلسطين - كما سبق أن أشرنا. حضارة النطوف والغسول وجازر في عصور ما قبل التاريخ وبنى مدينة أريحا ومدنا أخرى. ثم شيد شعب فلسطين الكنعاني منذ أقدم العصور التاريخية على فلسطين أرض كنعان حضارة متقدمة ازدهرت فيها الزراعة حتى عرفت بلادهم بخيراتها وثمراتها واشتهرت بأنها تقيض لبنا وعسلا. وقامت فيها الصناعة على نطاق واسع. وانتعشت التجارة وظهرت أقدم أبجدية. وشيدت فيها المعابد وانتشرت الديانة الكنعانية. وقامت بين شعب فلسطين والشعوب المجاورة في وادي النيل وبقية سوريا وبلاد الرافدين علاقات وثيقة حفظتها لنا الآثار الباقية. وحين جاء الفلسطينيون اسهموا في هذه الحضارة ببناء مدنهم الخمسة في الساحل الذي صار يسمى فلسطينيا، وبتعليم صهر الحديد، وبتشجيع الترحال في أسفار بعيدة، ولم يلبثوا ان اندمجوا في شعب فلسطين الكنعاني وتبنوا حضارته وقد حدث الأمر نفسه حين جاء العبرانيون الذين اتبعوا في مراحل حياتهم الأولى النموذج الحضاري للمنطقة الذي كان يمثله الكنعانيون، وأخذوا من كنعان لغتها وابجديتها فتركوا لهجتهم السامية القديمة واتخذوا لهجة شعب فلسطين. وتعلموا منه الزراعة فانتقلوا من البداوة والرعي إلى الزراعة والاستقرار. واقتبسوا طقوس الكنعانيين وفنهم. وتزاوجوا معهم فأخذوا من عاداتهم. واسهموا في هذه الحضارة في مجال هام هو المجال الروحي. وتجلى هذا الاسهام في العهد القديم الذي حفظ تاريخ المعلمين العبرانيين وأنبياء بني اسرائيل. وهكذا تكرر مع العبرانيين ما حدث للشعوب والجماعات الأخرى التي استوطنت فلسطين وانصهرت في بوتقة شعبها.

تابع شعب فلسطين العيش في ظل حضارته ابان الحكم الفارسي لبلاده الذي دام أكثر من قرنين (586-322 ق.م) وخاض تجربة التفاعل الحضاري مع الحضارة الفارسية ويمكن القول أنه حافظ على حضارته وبقيت اللغة الارامية لغة التجارة والمعاملات والمخاطبة إلى جنب اللغة الفارسية اللغة الرسمية. وظلت الحضارة تتألف من عناصر سامية عربية تشكل الارامية والكنعانية عنصرها السائد مع ظهور بعض التأثيرات الفارسية عليها.
عاش شعب فلسطين في بداية الحكم اليوناني لفلسطين (332-64 ق.م) تجربة الاسكندر في تحقيق التفاعل الحضاري بين الحضارة الاغريقية والحضارات الشرقية من خلال امتزاج الأفكار والمؤسسات اليونانية والشرقية . وعمل الحكم اليوناني في لفسطين - بطلميا كان أو سلوقيا - على انتشار الهلينية. ونشط الحكام اليونانيون خلال هذا العر الهلنستي في تأسيس المدن لتكون مراكز للثقافة اليونانية. وكان سكانها من الجنود اليونانيين بالدرجة الأولى. وقد تزاوجوا مع أهل البلاد وانضم إليهم مع الزمن سكان مولدون وأصليون اقتبسوا المظاهر الخارجية للهلينية. وتفاوت انتشار الهلينية من منطقة إلى أخرى وبرز مثقفون من أهل البلاد اسهموا في إغناء هذه الثقافة مثل انطيوخس العسقلاني والشاعر "ملاجر" ومع ذلك بقيت اللغة الارامية هي لغة الشعب السائدة واستمر الشعب محافظا على كنعانيته في طرق معيشته. واحتفظ الريف على الخصوص بلغته وعاداته وطريقة حياته. ونجحت الحضارة الكنعانية خلال عملية التفاعل الحضاري مع الحضارة الإغريقية في المحافظة على مكانتها فأعطت وأخذت. وقد لخص (بريستيد) حصيلة التأثير اليوناني على البلاد بقوله أن هذا التأثير لم يسر على السواء في جميع أنحاء البلاد، بل كاد ينحصر في المدن فقط. ولم يتأثر به كثيرا سكان القرى والدساكر الذين أثروا البقاء على عاداتهم السامية القديمة، والتكلم بلغات آبائهم والاحتفاظ بتقاليدهم وأفكارهم. (9)
بقي الوضع على حاله إبان الحكم الروماني لفلسطين (64 ق.م - 640م) الذي تبنى الثقافة الهلينية. وعاش شعب فلسطين الحدث الكبير الذي تمثل في ظهور السيد المسيح عليه السلام الذي دعا إلى محبة الله ومحبة الإنسان. ودخلت فلسطين وسوريا بصورة عامة في القرن الرابع الميلادي في مرحلة حضارية جديدة هي المرحلة البيزنطية اتحدت في المسيحية مع الهلينية الوثنية وقد تحول معظم اليهود من شعب فلسطين إلى المسيحية فاعتنق الدين الجديد من كان وثنيا. ولم يعرف عن شعب فلسطين والسوريين عامة أنهم - كما يقول فيليب حتي- "فقدوا طابعهم القومي أو اضاعوا لغتهم أو أهملوا أديانهم، أو سلكوا مخلصين المنهج اليوناني أو المنهج الروماني في الحياة. فالحضارة الهلينية لم تكن يوما أكثر من طلاء خارجي ولم تؤثر في غير النخبة من أهل المدن. أما سواد السكان فقد كانوا يعتبرون الحكام غرباء عنهم واستفحل هذا الجفاء بين الحاكم والمحكوم بداعي سوء الحكم وفداحة الضرائب وغالب الظن أن السوريين من أبناء القرن السابع اعتبروا العرب المسلمين أقر إليهم عنصرا ولغة وربما دينا أيضا من أسيادهم البيزنطيين الممقوتين (10)". شارك شعب فلسطين بعد الفتح العربي الإسلامي سنة 638 م في بناء الحضارة العربية الإسلامية التي أصبحت حضارة زاهرة على مدى القرون التالية . وكانت اللغة العربية هي أداة التعبير في هذه الحضارة وقد حكم الإسلام نظرتها إلى الحياة. وحفظت القدس واحدا من أجمل الاوابد التي بنيت في ظل الحضارة الإسلامية أروع رموزها وهو المسجد الأقصى الذي قام في بقعة مقدسة منذ أقدم العصور، الأمر الذي حدا بالبعض أن يعتبره من بين أقدس الأماكن على وجه الأرض، وقد تمثلت الحضارة العربية الإسلامية ما أنجزته الحضارات التي سبقتها في المنطقة ، وازدهر فيها الشعر والعلوم الدينية والفلسفة والفن المعماري والزراعة والصناعة والتجارة والعلوم من طب وهندسة فلك ورياضيات وموسيقى. واسهم شعب فلسطين تنصيب من هذا الازدهار. واقبل على الدخول في الإسلام خلال العصر العباسي ، وأصبحت اللغة العربية هي اللغة السائدة.
وإذا كانت فلسطين انصهرت في البوتقة العربية الإسلامية كما لم تفعل ذلك من قبل مع الفتوحات السابقة فذلك يرجع إلى أسباب عديدة، ولكن ثمة سبب لا يمكن التغاضي عنه وهو عنصر العنف الذي جعل جميع من دخل القدس وفلسطين يدخلها معملا السيف في أهلها بينما الفتح العربي الإسلامي دخلها سلما ، وكان الوحيد الذي انصهرت فلسطين تماما في بوتقته بما في ذلك الفلسطينيون الذين حافظا على يهوديتهم ومسيحيتهم ولكنهم انصهروا حضاريا بالعروبة والإسلام شأنهم شأن الأجزاء الأخرى من شعب فلسطين ممن دخل الإسلام. وبقيت فلسطين جزءا من الدولة العربية التي انتقلت عاصمتها إلى بغداد وفي العصر العباسي وأصبحت جزءا من دولة أحمد بن طولون في مصر حين نشأت في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي. ثم حكمها الاخشيديون الذين خلفوا الطولونيين وتلاهم الفاطميون. واعترى فلسطين الضعف الذي أصاب الدول العربية الإسلامية في القرن الحادي عشر الميلادي بفعل عوامل محددة منها فقدان الحكومة المركزية، وانحطاط منزلة الحكام ، والخلل في العلاقات الاقتصادية، والإسراف، علة التقليد. وأصاب الحضارة العربية الإسلامية بفعل هذا الضعف ما يصيب الحضارات من انحطاط وأفول. وفي تلك الفترة جاء الغزو الفرنجي للمنطقة مركزا على فلسطين في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، بعد أن أعلن البابا أربان الثاني عام 1095 م دعوته لشن الحروب التي عرفت في الغرب باسم الحروب الصليبية وكان الجافع الرئيسي للقيام بهذا الغزو اعتبارات مادية واقتصادية يتعلق بعضها بأوضاع أوروبا آنذاك، واخذ الدين وسيلة لتهيئة النفوس له. وقد استمرت حروب الفرنجية هذه قرابة القرنين. وسجل التاريخ على الغزاة عنفهم وفتكهم بسكان البلاد. واستطاع صلاح الدين الأيوبي أن يحر القدس بعد أن انتصر في موقعه حطين الفاصلة (583 هـ -1187 م) وقدم مثلا رائعا في البطولة والشيم والقيم الخلقية. وطرد السلطان بيبرس والسلطان قلاوون وابنه الأشرف بقايا الفرنجة من فلسطين. وشهدت البلاد على مدى القرنين تجربة في الاحتكاك الحضاري (11) وسجف عن هؤلاء الفرنجة إنهم كانوا مدعاة لخيبة الأمل في مأتي الفكر ومآثر الحضارة. وكانوا من حيث فاعليتهم الحضارية ابعد تأثيرا في الغرب منهم في الشرق. وقد تأثروا بالحضارة العربية الإسلامية وتعرفوا على جوانبها المختلفة.وترك لنا أسامة بن منقذ في كتابه "الاعتبار" صورة لما شاهده من صلات قامت بينهم وبين أهالي البلاد. وتعرضت فلسطين مع الغزو الفرنجي إلى الغزو المغولي الذي أوقفه انتصار قطز وبيبرس في معركة عين جالوت الفاصلة سنة 1260 واستمرت بعد هاتين الغزوتين جزءا من الدولة العربية الإسلامية التي حكمها المماليك، ثم جزءا من الدولة العثمانية منذ عام 1516 م .
وقد هاجمها نابليون بونابرت بعد أن احتل مصر وارتد عند أسوار عكا آخر القرن الثامن عشر الميلادي وبقيت تحت الحكم العثماني الإسلامي حتى احتلها البريطانيون عام 1917 م . إبان الحرب العالمية الأولى. وشاركت البلاد في القرن التاسع عشر باليقظة العربية الحديثة وبدأت تتصدى لأخطار الغزو الصهيوني الذي بدا أواخر ذلك القرن.
يمكننا أن نصل من التعرف على بعد الزمان في فلسطين ودراسة تاريخ شعب فلسطين إلى إجابة محددة للسؤال المطروح حول ملامح شعب فلسطين وانتمائه.

لقد كان تاريخ شعب فلسطين متصلا منذ أقدم العصور، وهو جزء من تاريخ سوريا والمنطقة التي أصبحت تعرف بالوطن العربي بصورة عامة. وظهرت ملامح شعب فلسطين بوضوح في العصور التاريخية شعبا كنعاني الطابع عربي الأصل يعيش في أرض فلسطين التي عرفت باسم أرض كنعان. وقد تكلم هذا الشعب في غالبيته اللغة الكنعانية ثم اللغة الارامية واللغة العبرانية ثم اللغة العربية وكلها لغات سامية تعود كما يقول بركلمان إلى لغة أم أقرب ما تكون إلى اللغة العربية الفصحى. واندمجت في هذا الشعب جماعات من شعوب مرت بفلسطين فبغت وتمثلت حضارته وأسهمت فيها. وكان بين شعب فلسطين منذ أقدم العصور قبائل عربية وثيقة الصلة بجزيرة العرب فضلا عن الكنعانيين والعموريين والاراميين الذين جاءوا من هنالك، والعبرانيين الذين جاءوا من جنوب العراق وواضح أن فلسطين مثلت مركز جذب بالنسبة لجزيرة العرب. واكتملت عروبة فلسطين منذ القرن الهجري الأول كاستمرار لكنعانيتها يفي القسم الأول من تاريخ فلسطين. وانتمى لهذه العروبة شعب فلسطين بمسلميه ومسيحيه ويهوده. وساهم شعب فلسطين بكافة طوائفه في الحضارة العربية الإسلامية.
ج) مكان اليهود من شعب فلسطين :
كذلك نصل إلي إجابة محددة حول التساؤل عن مكان العبرانيين وبني إسرائيل واليهود الذين عاشوا على أرض فلسطين من شعب فلسطين فالعبرانيون وهم أولاد إبراهيم عليه السلام، وكان هذا الاسم يتضمن مدلول البداوة ويشمل قبائل عربية مختلفة منها قبيلة ابراهيم. والإسرائيليون هم أولاد يعقوب بن اسحق بن إبراهيم الذي لقب بإسرائيل. وهم قبائل هاجرت إلى أرض كنعان آواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد من مصر بقيادة موسى عليه السلام وأسست مملكتين : إسرائيل في الشمال ويهوذا في الجنوب. ودمرت المملكتان ثم أعيد تأسيس يهوذا لفترة محدودة وإليها ينسب اليهود. وقد حمل اسم يهودي كل فرد من شعب يهوذا رجع من السبي ، وحملة الذين تهودوا واعتنقوا الديانة اليهودية من أقوام آخرين وهو في الأصل اسم أحد أولاد يعقوب.

لقد أسس هؤلاء الاسرائيليون مملكة على جزء من فلسطين بعد أن اقتبسوا فكرة الملكية من الكنعانيين وانقسمت المملكة إلى مملكتين لم تعمرا طويلا. وأخذ بنو إسرائيل حضارة الكنعانيين فتعلموا لغتهم واقتبسوا طقوسهم وعاداتهم وأساليب حياتهم. وأسهموا في هذه الحضارة في المجال الروحي من خلال كتابة "العهد القديم" وتعرض بعضهم للسبي على يد نبوخذ نصر الذي دمر القدس عام 586 ق.م.وعاد بعض يهود السبي البابلي مع بداية الحكم الفارس لفلسطين. وانتشر الدين اليهودي في فلسطين إبان الحكم اليوناني لها حين أكره اليهود المكابيون بعد انتصارهم في ثورتهم سكان جنوب فلسطين من الادوميين على التهود والاختتان حوالي سنة 126 ق.م. في عهد يوحنا هيركانوس الأول. كما اكرهوا سكان الجليل الأعلى من الايطوريين العرب على التهود والاختتان . وحين ظهرت المسيحية في فلسطين وانتشرت تدريجيا بدأت اليهودية بالانحسار وذلك إبان الحكم الروماني لفلسطين. وأصبحت الجماعة اليهودية في فلسطين أقلية بعدد الكبير الذي فقدته خلال ثورتي عام 66م وعام 132 م، وبفعل تحول بعض اليهود إلى الدين المسيحي. حتى إذا جاء الحكم البيزنطي الذي تبنى المسيحية تقلصت الجماعة اليهودية إلى حد أدنى وأصبحت فلسطين مسيحية الطابع بع أن دان معظم سكانها بالدين المسيحي، وتحول غالبية اليهود من شعب فلسطين إلى المسيحية. وحين دخلت فلسطين في الدولة العربية الإسلامية استكملت في القرن الثاني الهجري مقومات عروبتها وأصبح الإسلام دين غالبية شعبها. وبقيت جماعات من هذا الشعب تدين بالمسيحية أو اليهودية. وهكذا يتضح لنا كيف أن بعض المسلمين من شعب فلسطين جاءوا من نسل أجدادهم الذين دانت غالبيتهم بالمسيحية وقبل ذلك باليهودية. وقد عاش هؤلاء الأجداد على أرض فلسطين وجاء بعضهم إليها من جزيرة العرب.
إن يهود فلسطين هم جزء من شعب فلسطين، وتاريخهم يقع في دائرة تاريخ شعب فلسطين وهم غير اليهود الأوروبيين الذين ظهرت الحركة الصهيونية في أوساطهم والذين هم من أصل خزري في غالبيتهم ويمكننا ان نقرر باطمئنان أن التراث اليهودي في فلسطين من ثم هو جزء من تراث شعب فلسطين تماما كالتراث المسيحي والتراث الإسلامي فيها وأيضا كالتراث الكنعاني قبل ذلك. وان ادعاء الصهيونية امتلاك التراث اليهودي في فلسطين لا يجب ان يدفع بعضنا إلي التنكر له. ويلفت النظر ان المؤرخين المسلمين الدين كتبوا عن تاريخ بني إسرائيل في فلسطين نظروا إلى هذا التراث هذه النظرة الصحيحة. كما يلفت النظر أيضا أن شعب فلسطين تبنى تراثه وحفاظ عليه وتمسك به. وقد تعود المسلمون والمسيحيون من أبنائه ان يسموا أبناءهم بأسماء أنبياء بني إسرائيل ويزوروا أضرحتهم. ونلاحظ هنا أن العقيدة الدينية - إسلاما كانت أو مسيحية تنسجم مع الالتصاق بهذا التراث لأنها تعتقد أن أنبياء بني إسرائيل هم من الذين اسلموا لله سبحانه وهم من بين أنبياء الله ورسله.
ثانيا : الحقائق الخاصة بالقدس وبتاريخها عبر العصور
ارتبطت القدس بشعب فلسطين العربي منذ أقدم العصور. فقد سكن الانسان في منطقتها منذ عصر ما قبل التاريخ. وهناك أثر له اكتشفت فيها تعود إلى العصر البلستوسيني ، وآثار من العهد الباليوليثي. وقد استقر المناخ فيها وأصبح كما هو اليوم في العهد المسيوليثي. وهناك موقعان في المدينة يرتبذ وجودهما بتلك الفترة. ويشار إلى ستة عشر موقعا تعود إلى العهد النيوليثي الذي شهد حدوث الثورة الزراعية.

ظهرت القدس كمدينة في بدايات العصر البرونزي حين بناها الكنعانيون مع مجموعة مدن أقاموها على طريق المياه بين الشمال والجنوب . واختارا لها موقعا متميزا على مرتفع الضهور الذي توجد على مقربة منه عين الماس جيهون. وكان بناؤها حوالي الالف الرابعة ق.م. وخدم غرضا دفاعيا وآخر دينيا وقد بنوا فيها هيكلا لمعبودهم الأعلى "سالم" وكان ملك القدس هو كاهن الاله الأعلى. ومن هنا اكتسبت المدينة قدسيتها التي استمرت بعد ذلك لاسباب أخرى.
عرفت القدس أول ما عرفت باسم "سالم" الجد المؤسس أو الآله الأعلى. وقد كونت "مملكة مدينة" كغيرها من المدن الكنعانية وعرف من أسماء ملوكها "قدوم سالم" و"ملكي صادق" و"أدوني صادق" و" أدوني بازق". واول ذكر لها ورد في نصوص الطهارة المصرية في القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، بصورة "يوروشاليم" ومعناه إلى الارجح " مدينة سالم".
وورد ذكر القدس في رسائل تل العمارنة في القرن الرابع عشر ق.م. باسم "يورو سالم" وفي النقوش الاشورية باسم "أؤروسليمو" واقدم اسم لها في العهد القدسم هو "شاليم" وقد ورد في سفر التكوين بمناسبة قدوم أبرام إلى أرض الكنعانيين إذ خرج الملوك لاستقباله ومنهم ملكي صادق ملك شاليم. كما ورد ذكرها في سفر يشوع باسم "أورشليم"، وكان ملكها آنذاك هو أدوني صادق، وفي سفر القضاة حين حارب بنو اسرائيل الكنعانيين.وجاء ذكرها في سفر القضاة مرة أخرى باسم "يبوس" نسبة إلى اليبوسيين العرب الذين كانوا يعيشون فيها. وورد في العهد القديم أيضا اسم "صهيون" الذي دل بداية على جزء من المدينة اليبوسية كان يقوم فيه الحصن الذي استولى عليه داود حين انتزع المدينة من اليبوسيين. ولم يلبث أن سمي ذلك الجزء باسم "مدينة داود" واصبح يطلق على المدينة ككل من مضي الزمن. وسميت المدينة أيضا "اريئيل" في سفر اشعيا. وعرف التل الصخري الذي بنى عليه سليمان الهيكل باسم "موريا" وجاء ذكره في احبار الأيام الثاني. ومع تعدد الأسماء فإن اسم اورشليم هو الذي كان شائعا منذ فتح داود المدينة إلى منتصف القرن الثاني للميلاد، حيث أطلق عليها الامبراطور الرماني ايلياؤس هادريا نوس اسمه الأول بعد أن أعاد بنائها فعرفت بايلياء. وهو الذي هدم مدينة أورشليم عام 135م ، بعد أن هدمها تيتوس قبل ذلك عام 70م . وقد ظل اسم ايلياء سائدا نحو قرنين إلى أن جاء الامبراطور قسطنطين فأعاد إليها اسم اورشليم. وبقي اسم ايلياء مستعملا حتى كان الفتح العربي الإسلامي.
اشتهرت المدينة بعد الفتح باسم "بيت المقدس" . ووردت لهذا الاسم صور مختلفة منها البيت المقدس، وبيت المقدس والقدس الشريف والمدنية المقدسة. ولقبت المدينة بالقاب منها دار السلام ومدينة السلام وقرية السلام.
واضح أن تعدد أسماء القدس مرتبط بتاريخها الطويل الحافل، وبأهميتها المتميزة. ولقد كانت كل هذه الأسماء - عدا اسم "ايلياء" - اسماء كنعانية عربية تحمل مدلولا واحدا في معظمها فما "اورسالم" الا "اورشليم" الا "القدس". وحتى اسم "ايلياء" الرزماني جرى تعريبه حين تداوله شعب فلسطين والمنطقة مثلما عربوا اسم "نابلس" وغيره. وقد اقترنت هذه الأسماء في أذهان الناس بمعنى قدسية المدينة وكونها بيتا مقدسا.
على مدى القرون التي مضت على بناء "اورسالم" مرت المدينة المقدسة - وهي قلب فلسطين - بجميع المراحل التي مرت بها فلسطين. ويمكننا ونحن نستحضر تاريخها ان نقف عند أهم الحقائق البارزة فيه، فنذكرها بإيجاز وننظم منها عقد يبرز وحدة هذا التاريخ.
-
وضع بداية ان شعب فلسطين الكنعاني العربي هو الذي أسس المدينة في زمان بعيد في الماضي وهو الذي أطلق عليها اسمها. وقد أقام فيها بيتا للعبادة يدكر فيه اسم الله فأصبحت قبلة ومحجا. واستمرت هده صفة المدينة مع تتالي الرسالات السماوية وانتقال شعب فلسطين والمنطقة من الديانة الكنعانية إلى اعتناق اليهودية فالنصرانية فالآلام.
نزل إبراهيم عليه السلام في منطقة القدس فرحب به "بنوحث" اصحاب الأرض. واختار أبو الأنبياء فلسطين وطنا له، فأصبح هو وآله جزءا من شعب فلسطين. ويهمنا هنا أن نلاحظ نظرة الفلسطينيين عبر العصور وخصوصا في العصر الإسلامي إلى هذه الحقيقة فقد أبرزوها. نضرب مثلا على ذلك ما أورده "الحنبلي" في "الانس الجليل" فبعد ان يقص هجرة ابراهيم "من وطنه في ذات الله حفظا لايمانه". "أوحى الله إليه ان انزل حبرى، فنزل بها.. ولم يزل حتى دخل مغارة حبرون فنودي يا ابراهيم سلم على عظام أبيك آدم" وحين ولدت له هاجر إبنا أسماه اسماعيل أي (مطيع الله). وأقام ابراهيم صلة وثيقة بين فلسطين والحجاز والقدس ومكة. "وأرسل الله اسماعيل إلى قبائل اليمن وإلى العماليق. وزوج اسماعيل ابنته من أبن أخيه العيص بن اسحق (عيسو بلغة ترجمة التوراة)". "ولما ماتت سارة بعد وفاة هاجر تزوج ابراهيم الخليل عليه السلام إمرأة من الكنعانيين وولدت منه ستة وهم يقشان وزمران ومدان ومديان ويشق وشرخ. ثم تزوج امرأة أخرى فولدت له خمسة بنين، فكان جميع أولاد إبراهيم ثلاثة عشر ولدا مع اسماعيل واسحق. فكان اسماعيل أكبر أولاده فأثر اسماعيل أرض الحجاز واسحاق أرض الشام، وفرق سائر ولده في البلاد والله أعلم" ونجد هذه النظرة عند المسعودي وغيره، وعند أبناء شعب فلسطين الذين نظروا إلى ابراهيم كواحد من أجدادهم. ونؤكد على هذه النظرة في معرض التنبيه إلى ما أورده بعض الكتاب المحدثين وهم يناقشون المقولات الصهيونية عن وعد الله لابراهيم ان يعطي أرض فلسطين لنسله، فتحدثوا إن غربة ابراهيم وهي غربة لم تدم طويلا أصبح ابراهيم بعدها من أهل البلاد، ونظروا إلى العبرانيين وكأنهم لم يصبحوا جزءا من شعب فلسطين، وتعاملوا مع التراث اليهودي وكأنه ليس جزءا من تراث شعب فلسطين.
ازدهرت الحضارة الكنعانية في فلسطين، وكانت القدس أهم مراكزها. وقد بلغت المساحة التي تشغلها المدينة خلال الالف الثاني قبل الميلاد حوالي أربعين دونما. وأحاط اليبوسيون مدينتهم بسور. وحين مر ابراهيم بها حوالي سنة 1900 ق.م كانت مدينة متكاملة ذات قاعدة ملكية وهياكل دينية ومركز مقدس. وقد تأثر العبرانيون بحضارة الكنعانيين وتمثلوها.
كانت يبوس مدينة مزدهرة حين دخل بنو اسرائيل فلسطين بقيادة يشوع حوالي 1500 ق. م. وتشير التوراة إلى المدينة حين تتحدث عن رجل اسرائيل وامرأته وغلامه كانوا على سفر فأدركهم الليل، "وفيما هم عند يبو قال الغلام لسيده تعال نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه ونبيت فيها، فقال له سيده، لا تميل إلى مدينة غريبة لا أحد منها من بني اسرائيل".
احتل داوود المدينة التي كانت تعرف آنذاك باسم يبوس في القرن الحادي عشر ق.م. وقد وفق في اختياره لها عاصمة لملكه لأنها حصينة ويسهل الدفاع عنها . كما أنها تقع خارج المراكز القبلية الأصلية وتتحكم في طريق رئيسي. واشتهر داوود المحارب بانجازات أخرى منها القصر الذي شيده في القدس وبناه معماريون من صور أرسلهم صديقه الملك الفينيقي حيرام، ومنها شعره. فإليه نسبت "المزامير" وورث ابنه سليمان الملك من بعده وحكم ثلاثين سنة وبنا هيكلا وتحصينات وثكنات. وكانت مملكته تدين بالولاء لمصر وقد اختطت بتاريخه الأساطير. وانقسمت المملكة في عهد خلفه إلى مملكتي اسرائيل ويهوذا. وبقيت المدينة - وأصبحت تعرف باورشليم - عاصمة يهوذا. ولم تعمر المملكتان طويلا فانتهت مملكة اسرائيل على يد سرجون الثاني ملك آشور عام 722 ق.م. وانتهت مملكة يهوذا على يد نبوخذ نصر ملك بابل الكلداني عام 586 ق.م. وخرجت القدس وسبى عظماء البلاد ونقلوا إلى بابل. وتجدر الملاحظة هنا أن الطابع السياسي فلسطين بقي على حاله أثناء وجود المملكتين وبعد زوالهما من حيث تعدد الحكام والتفاعل مع مصر جنوبا وسوريا شمالا. وقد ظل العرب اليبوسيون يعيشون في مدينتهم المقدسة - ويسميهم العهد القديم أحيانا "الاسماعيليين" - وتفاعلوا مع الهجرات العبرانية وامتصوها.
شهدت القدس وفلسطين منذ القرن العاشر قبل الميلاد وحتى الفتح العربي الإسلامي تتابع حكم دول وامبراطوريات تداولت الأيام بينها فيها. فقد حكمها المصريون في عهد شيشنق لفترة قصيرة ثم حكمها الاشوريون فالكلدانيون فالفرس الإغريق - بطالسة وسلوقيين - فالرومان فالروم البيزنطيين. وحفلت هذه العهود بأحداث وأحداث، تجلت من خلالها قدرة شعب فلسطين على التكيف وعلى الجمع بين الأصالة والتجديد بالحفاظ على هويته وبالتفاعل مع التجارب الحضارية الأخرى وتبادل التأثير معها.

وقد شهدت القدس إبان حكم الفرس رجوع بعض يهود السبي من بابل إليها. وفي عهد داريوس أعيد بناء الهيكل على نفقة الدولة سنة 515 ق.م. بعد صعوبات كثيرة. وفي عهد ارتحشسنا (465-424 ق.م.) عاد فريقان آخران من اليهود المبيين برئاسة نحميا وعازرا اللذين قالا بوجوب طلاق الزوجات غير اليهوديات واعتبار أبنائهن غير شرعيين.
عاشت القدس في العهد اليوناني البطلمي جوا من التسامح. وفي عهد بطليموس فيلادلفيوس محب العلم ترجمت التوراة إلى اليونانية على يد سبعين عالما يهوديا دعاهم إلى مصر للقيام بهذه المهمة. وحاول الحكام البطالسة نشر المدنية اليونانية في القدس وفلسطين. وكان حماس السلوقيين لهذه المهمة أشد انسجاما مع سياستهم التقليدية التي اعتبرت الهلينية القاسم المشترك الذي يلتقي عليه جميع رعايا دولتهم. وقد ذهب انطيوخس في محاولته أبعد من المعتاد ففرض عبادة زفس أوليمبوس على السكان. فعمد السكان إلى قرنه بشخصية الههم بعل وألبسوه ثيابا مصف عربية وأسبغوا عليه من صفاتهم وأقاموه في معابد تشبه معابدهم. ثم تفجرت معارضة بعضهم ممن يدين باليهودية ثورة في عام 168 ق. م. فاستباح انطيوخس مدينة القدس وأمر بإلغاء الدين اليهودي. الامر الذي أدى إلى انتشار ثورة المكابيين التي بدأت دينية وتطورت إلى ثورة سياسية وتوجهت في وقت واحد ضد القوات الحكومية وضد أنصار الثقافة "الهلينية" من اليهود وقد انتصرت في المجالين فسيطر التعصب على اليهود المكابيين وأكره الأدوميين سكان جنوب فلسطين والايطوريين سكان الجليل على التهود، وخيروهم بين ذلك أو الإبادة. وتزامنت هذه الثورة مع ثورات القبائل العربية على الدولة السلوقية التي اشتد ضعفها.
أصبحت القدس منذ عام 64 ق.م. تحت حكم الرومان. وكانت مركز مقاطعة "اليهودية" وتولت الأسرة الادومية حكم اليهودية سنة 37 ق.م. باسم الرومان. وقد شهد حكمهم حدثا كبيرا هو مولد عيسى عليه السلام وظهور الدين المسيحي. وشهدت القدس رسول السلام وهو يدعو إلى محبة الله ومحبة الإنسان، ويؤكد بتعاليمه على وحدة الإنسانية وخدمة الإنسان عوضا عن المبالغة في الطقوس الخارجية. وقد انتشر الدين الجديد بين عدد من فلاحي فلسطين الذين كانوا يدينون باليهودية ، ثم شق طريقة بين كافة سكان فلسطين تدريجيا. وانطلق من القدس إلى شتى أنحاء الإمبراطورية الرومانية.
شهدت القدس خلال تلك الفترة أيضا ثورة اليهود "الفريسيين" ضد الرومان عام 66 م تعبيرا عن رفضهم محاولات الحكم فرض الهلينية عليهم. وقد استمرت هذه الثورة أربع سنوات وكانت لها أسبابها الدينية وأسبابها الاجتماعية. واصبحت القدس خالية من اليهود اثر قمع القائد تيتوس للثورة. وتركز بقية اليهود في ساحل فلسطين. وانحط شأن اليهودية كدين خصوصا مع انتشار المسيحية . وثار يهود فلسطين مرة أخرى في عهد الإمبراطور هدريان (117-138م) بقيادة باركوخبا سنة (122 م) وكان بعضهم قد عاد لشكنى القدس فقضى هدريان على الثورة عام 135 م. وهدم القدس وأعاد بناءها وأطلق عليها اسم إيلياء كابيتولينا وسمى البلد فلسطين السورية.
إزدهرت القدس في العهد البيزنطي الذي بدأ باعتناق الإمبراطور قسطنطين المسيحية عام 212 م وببنائه عاصمة لملكه في موقع بيزنطية القديم عام 330 م. وقد قامت أمه هيلانة بزيارة القدس وتلا ذلك بناء كنيسة القيامة فيها وكنيسة المهد في بيت لحم. وما أسرع ما انتشر بناء الكنائس والأديرة في فلسطين وبلاد الشام ومصر عموما. وانتشرت المسيحية بعد أن كانت قد تعرضت للاضطهاد في عهود بعض الأباطرة الرومانيين. وقد ظهرت الرهبنة في القرن الرابع الميلادي، وأصبحت الكنيسة أعظم مؤسسات العصر. وشهدت القدس الانشقاقات الدينية بين المذاهب المسيحية. كما شهدت محاولات الساسانيين الفرس احتلال البلاد في مطلع القرن السابع الميلادي. وقد طردهم هرقل من القدس وأعاد إليها الصليب الذي أخذوه منها. وتتحدث المصادر اليهودية عن مساعدة اليهود للفرس عند قدومهم، وعما تسميه خيانة الفرس لليهود. كما تتحدث عن انتقام هرقل من اليهود والعقاب الذي انزله بهم، ودخول عدد منهم في الدين المسيحي. وهذا يفسر لنا ما جاء في العهد العمرية بشأن طلب الكنيسة ألا يسكن أحد من اليهود القدس.
فتح العرب المسلمون القدس سنة 638 م. واشترط سكانها ان يكون تسليم المدينة لخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فجاءها عمر وتسلم مفاتيحها من صفرونيوس بطريرك القدس. وأعلى عهده المشهور لأهل "إيلياء" القدس سنة 15هـ. "من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بايلياء أحد من ايهود…" وقد شهد على هذا العهد من كبار الصحابة خالد بن الوليد وعمر بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان. ويلاحظ المؤرخون أن الفتح العربي الإسلامي للقدس وفلسطين وبلاد الشام عموما تحقق بيسر حتى أن السوريين من أبناء القرن السابع قد اعتبروا العرب المسلمين أقرب إليهم عنصرا ولغة، وربما دينا من أسيادهم البيزنطيين.
بدأت القدس بالفتح العربي الإسلامي لها مرحلة جديدة من تاريخها، بقيت خلالها فلسطينية عربية كما كانت واستمرت مركزا روحيا في ظل الحكم الاسلامي لها. واتصل تارخها على مدى القرون الثلاثة عشر التالية، وان تعرضت خلال قرن واحد منها لحكم الفرنجة.
أصبحت القدس مركزا من مراكز الحضارة العربية الاسلامية وقد أقام عمر بن الخطاب مسجدا فيها. وبلغ من احتفائه بالصخرة المشرفة ان أزال ما تراكم عليها من تراب وأقام عليها مصلى. وسكن القدس بعد الفتح العمري جماعة من صحابة رسول الله، ونزلها آخرون للعبادة والتبرك وزيارة مقدساتها. وفي العهد الأموي بني عبد الملك بن مروان مسجد الصخرة، ورصد لبنائه خراج مصر لسبع سنين ثم توالى الخلفاء والأمراء فجددوا وزخرفوا حتى أضحى المسجد من أجمل الأبنية الموجودة فوق هذه البسيطة. وبرز في القدس علماء أجلاء نسب بعضهم إليها من أمثال المقدس صاحب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. واصبح المسجد الأقصى جامعة يؤمها طلاب العلم ويعلم فيها علماء أجلاء.
عانت القدس معاناة شديدة ابان الغزو الفرنجي لها عام 1099 م. وسالت في المسجد والمدينة دماء عشرات الألوف من أبناءها وحين حررها صلاح الدين أعطى الفرنجة نموذجا رائعا في الرحمة والتسامح. وقد سجل ستانلي لين بول في تاريخه لصلاح الدين "إذا كان أخذ القدس هو الحقيقة الوحيدة التي نعرفها عن صلاح الدين فإن ذلك كاف لإثبات أن صلاح الدين هو أكثر المنتصرين فروسية، وأعظمهم قلبا في زمانه، ولعله في كل زمان".
أمر صلاح الدين بإعادة أبنية القدس إلى حالها القديم، وطهر المسجد والصخرة من الأقذار، وصلى فيهما، ونصب منبرا في المسجد كان قد أمر بصنعه نور الدين محمود، وعمل صلاح الدين على توسيع المسجد الأقصى. وتدقيق نقوشه، وزوده بالمصاحف والكتب، فعاد إلى المسجد رونقه وبهاؤه وجلاله.
ازدهرت القدس من جديد في ظل الحكم الإسلامي. وبرز فيها عدد من العلماء الإجلاء. واستطاع المماليك أن يحموها من غازات المغول الذين اجتاحوا العراق وسوريا. وقد كان لانتصار الظاهر بيبرس على المغول في معركة عين جالوت الفضل في حماية القدس وباقي فلسطين ومصر من الدمار.
اهتم الظاهر بيبرس ومن تلاه من حكام المماليك بعمارة القدس فجدد بيبرس ما تداعى من قبة الصخرة، وقبة السلسلة وزخرفها وبني خلفاؤه عددا من الآثار البديعة في المدينة. وازدهر التصوف فيها خلال ذلك العهد. وقد زارها عدد من الرحالة المسلمين ووصفوا حياة سكانها من ابن بطوطة إلى ناصر خسرو وعبد الغني النابلسي. كما مر بها بن بنيامين الطليطلي اليهودي في القرن الثاني عشر الميلادي. وكتب مجير الدين الحنبلي كتابه "الانس الجليل في تاريخ القدس والخليل".
  
أصبحت القدس سنجقا من ولاية دمشق أبان الحكم العثماني وتحولت في الفترة الأخيرة منه إلى متصرفية تتبع الباب العالي مباشرة. واهتم السلطان سليمان القانوني (1520 - 1560) بعمارة القدس فجدد السور ورمم القلعة وعمر بركة السلطان وقبة الصخرة وجدران الحرم وأبوابه. وبنى مقام النبي داوود. واهتم عدد من خلفائه بإقامة منشآت في القدس.
ولم تلبث المدينة أن عانت خلال القرنين التاليين من التخلف الذي أصاب الدولة العثمانية .
وأصبحت القدس في القرن الماضي مركزا من مراكز اليقظة العربية الحديثة. وظهر فيها عدد من الرجالات الدين ساهموا في النهضة العربية الفكرية والسياسة. واشتدت عليها الأطماع الاستعمارية منذ الحملة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر. وابتليت باستهداف الغزوة الصهيونية والاستعمارية لها.
ولم تلبث أن احتلها اللجنبي أواخر عام 1917 وأصبحت تحت الانتداب البريطاني الذي مكن للغزوة الصهيونية ان تقيم "اسرائيل" وتغتصب جزءا كبيرا من المدينة عام 1948. وفي عام 1967 احتلت اسرائيل القدس الشرقية وبدأت المدينة عهدا من المعاناة وعهدا من المقاومة للاحتلال.
إن هذه اللمحة لتاريخ القدس عبر العصور تؤكد حقيقة ارتباط شعب فلسطين بالقدس وبفلسطين. وتبرز بوضوح أن القدس هي قلب فلسطين وهي وطن شعبها الذي تواصل تاريخه فيها منذ أقدم الأزمان، وأن القدس كانت قبله للمؤمنين ومحجا لهم تماما كما كانت مطمعا للغزاة.
ثالثا : حرية العبادة في ظل الحكم الإسلامي
يجمع المؤرخون على أن شعب فلسطين استطاع في ظل الحكم الإسلامي أن يوفر للمؤمنين في القدس جوا من التسامح الرائع ، وأن يضمن لهم حرية العبادة في أماكنهم المقدسة، وأن يقوم بحمايتهم وباستضافتهم.
لقد رأينا كيف أرسى عهد عمر أساس هذا التسامح انطلاقا من روح التسامح التي بشر فيها الدين الإسلامي "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". ويلاحظ المؤرخون أن شعب فلسطين وسكان القدس رحبوا بالحكم العربي الإسلامي. وكانت غالبيتهم تدين بالنصرانية وقلة منهم تدين باليهودية. وقد تعاون السامريون اليهود مع العرب المسلمين عند الفتح. وكتب يهودي عراف عن العصر الإسلامي الأول فجعل ملاكا يقول لكاهن 3لاتخف يابن يهوه، فالخالق تبارك اسمه لم يقم مملكة اسماعيل الا ليخلصكم من هذا الشر (أي بيزنطة). (24) ورحب النصارى بالحكم العربي الإسلامي وتجاوبوا مع سياسة معاوية السمحة وكتب مؤرخ مسيحي سريان بلسان حالهم " ولهذا فقد خلصنا الآله المنتقم منقبضة الروم على يد العرب. وليس النفع الذي جنيناه من خلاصنا من قسوة الروم وحقدهم بالقليل".
حرص الحكم الإسلامي على تنظيم أمور الملل والنحل، فأصبح للجماعتين اليهودية والنصرانية تنظيمهما. وكان المسلم ينظر إلى القدس نظرة روحية يعبر عنها قول عطاء الخرساني" بيت المقدس بنته الأنبياء وعمرته الأنبياء، ووالله ما في شبر إلى وقد سجد فيه نبي" وقد احترم شعب فلسطين المسلم الديانتين السماويتين الأخريين انطلاقا من إيمانه بكتب الله ورسله.
بقي عدد اليهود ضئيلا جدا في فلسطين بالنسبة إلى مجموع السكان. ويلاحظ باركس "ان الحكام المسلمين لم يرفضوا في أية فترة السماح ليهود من بلاد أجنبية أن يدخلوا فلسطين ويقيموا فيها" والحق أن شعب فلسطين رحب دوما بالحجيج من المؤمنين وفتح ذراعيه للمضطهدين المسالمين. وفرق بين هؤلاء وبين الغزاة الطامعين.
لقد سمح الحكم الإسلامي لليهود بزيارة القدس ثم بالعمل فيها وسكناها. وخدم بعضهم في المسجد الأقصى كصناع يعملون القناديل والأقداح والثريات وغير ذلك، لا يؤخذ منهم جزية. جاريا عليهم وعلى أولادهم أمدا. وتعرض يهود القدس لمعاناة شديدة إبان الغزو الفرنجي حيث ذبح الفرنجة عددا كبيرا منهم حين احتلوا القدس مع من ذبحوا من أهاليها المسلمين ويسجل المؤرخون" أن صلاح الدين كان رحيما بهم حين استعاد القدس". وكان يهود القدس وفلسطين قد ساهموا إبان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية باعناء التراث اليهودي ويقول جرايزل في كتابه تاريخ اليهود " إننا مدينون ليهود فلسطين في الفترة بين القرن السادس والقرن العاشر. فإذا كنا نقرأ التوراة بسهولة هذه الأيام ونصب في قلوبنا أجمل الصلوات فإن الفضل لهم. وقد أعطاهم مجيء "المحمديين" دفعة جديدة من الحياة وتناقص عدد اليهود في القدس بعد غزوة الفرنجة حتى لم يبق منهم فيها إلى اثنان عام 1267م. وبعد ستين عاما توطنت فيها طائفة صغيرة من الصباغين. وتراوح عدد اليهود في القدس خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر بين 250 و1500. وذلك بعد ان لجأ إليها بعض يهود اسبانيا عام 1492 بعد ان حلت بهم وبالمسلمين نكبة الأندلس. وحين زار القدس العربي الايطالي "اوباديه دامبير تيفورو" عام1488 وتعرف على أحوال الجماعة اليهودية فيها سجل شهادته قائلا "لا يضطهد العرب اليهود في هذه البلاد. لقد سافرت فيها طولا وعرضا ولم أجد من يعترض طريقي من سكانها. إنهم كرماء و لطفاء مع الغرباء وخاصة مع أولئك الذين لا يعرفون لغتهم. ولا يزعجهم أن يروا مجموعة يهود متجمعين معا" وقد تولت أسرة مقدسية مسلمة خدمة مقام النبي داوود منذ أوائل العهد العثماني. ويلفت النظر أن يهود القدس وفلسطين بدأوا يشكون من المضايقة حين قوي النفوذ الأوروبي في القدس خلال القرن التاسع عشر وجاء إليها عدد من المبشرين المسيحيين الأوروبيين الذين جعلوا همهم تنصير اليهود. وقد انشغلت جمعية لندن للتبشير بهذا الموضوع وأرسلت عام 1820 مبشرا سويسريا فكان ان جابهه يهود القدس بمعارضة شديدة بينما تكشف الوثائق العثمانية كيف وفر الحكم الإسلامي ليهود فلسطين حرية العبادة فازدهرت مدارسهم في طبريا وصفد. وسمح لعدد من المضطهدين الذين فوا من الأندلس أن يقيموا في الدولة العثمانية ومنها فلسطين، فأقاموا فيها واندمجوا في شعبها.
لا نود أن نسترسل في الحديث عن هذا التسامح الديني الذي ساد في فلسطين منذ الفتح العربي الإسلامي وفي ظل الحكم الإسلامي فنعرض لحياة النصارى من شعب فلسطين في ظله ذلك أن أمره معروف تتضمنه كل صفحة من صفحات تاريخ فلسطين. ونكتفي بالقول أن شعب فلسطين بمسلميه ومسيحييه ويهوده يمثل جيدا روح التسامح هذه، فحكمت سلوكه نحو اخوته من الطوائف الأخرى، ونحو الحجيج من المؤمنين الذين جاءوا إلى القدس. ويلفت النظر أن شعب فلسطين بغالبيته المسلمة وبمسيحييه ويهوده تصدى للغزاة الأجانب الذين طمعوا في وطنه، مفرقا بينهم وبين الحجيج الذين يأتونه مسالمين ، وقد حفظ لنا التاريخ صورا رائعة عن مقاومة فلسطين لغزوة الفرنجة التي لبست ثوب الصليب، تماما كما نشهد اليوم هذه الصور الرائعة من مقاومته للغزوة الصهيونية التي استغلت الدين اليهودي وشوهت قيمه. ولم يحجم شعب فلسطين حين هدد بلاده جيش تيمورلنك الذي كان يدين بالإسلام عن أن يقاتل الباغي. وافتى يومها ابن تيمية للمسلمين جميع بالقتال، وحثهم عليه حين لمس تساؤل البعض منهم كيف يقاتل المسلم المسلم، فأجاب على هذا التساؤل بالآية الكريمة "وقاتلوا التي تبغي.." مفرقا بين المسلم المؤمن والمسلم الباغي. كيف استطاع شعب فلسطين ان ينتصر في النهاية ويطرف الغزاة من وطنه. كما يلفت النظر أن أرض فلسطين كانت تشهد المعارك الفاصلة التي تؤذن بارتداد الغزاة وهزيمتهم، والتي كانت تحدث بعد أن تسترد المنطقة قوتها وتنبعث قواها الروحية من جديد. وقد حفظ لنا التاريخ أسماء حطين التي أذنت ببداية اندحار الفرنجة عام 1187 وغين جالوت التي صدت الغزو المغولي عام 1260 وعكا التي على أسوارها ارتد بونابرت وتراجع بالحملة الفرنسية عام 1799.

يمكننا الآن بعد ان تعرفنا على هذه الحقائق ان نلاحظ مدى تعلق المسلمين عامة بالمدينة المقدسة. وهذا يقودنا إلى الحديث عن مكانة القدس في الاسلام وعند المسلمين.
رابعا : مكانة القدس عند المسلمين
ارتبطت القدس بالأديان السماوية، واصبحت مهوى أفئدة المؤمنين كافة. ولكنها ارتبطت بصورة خاصة بالاسلام والمسلمين من خلال المكانة التي احتلتها في العقيدة الإسلامية وفي التاريخ الإسلامي وفي تراث المسلمين، منذ أن خف إليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليتسلمها من أهلها قاطعا على نفسه عهدا لله أن يصون أموالهم وكنائسهم ويرعى حقوقهم، ويحقق لهم الأمن والسلامة. فمنذ ذلك اليوم إلى الغزو الصهيوني للقدس، والمسلمون يحتضنون المدينة المقدسة احتضان الأم لوليدها، ويحنون عليها حنوا المرضعة على فطيمها.
لا نعرف في تاريخ الإسلام بل في تاريخ الأديان السماوية جميعها، مدينة ظفرت بما ظفرت به هذه المدينة من تقديس وتكريم وحراسة. فقد أولاها الخلفاء والأمراء والعلماء والصالحون كامل رعايتهم. انشاءوا المساجد والزوايا والتكايا والأربطة والسبل والمدارس والمقابر، وأوقفوا عليها معظم الأراضي المجاورة، وزينوا وزخرفوا وجددوا قديما، وأسسوا جديدا، حتى أضحت تحفة منقطعة النظير. أطلقوا حرية العبادة لجميع الطوائف دون استثناء، ووفروا للمدينة والحجيج الأمن والاستقرار.
احتلت القدس هذه المكانة في نفوس المسلمين لعدة أسباب.
الأول : إنها موطن إبراهيم خليل الرحمن، ومقر الأنبياء ومهبط الوحي، ومبعث عيسى كلمة الله التي ألقاها إلى مريم. وقد قال أبن عباس " البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى فيه نبي أو قام فيه ملك".
الثاني : إنها أولى القبلتين، وثالث الحرمين استقبلها المسلمون زهاء عام ونصف بعد هجرة الرسول الكريم إلى المدينة. وخصها الله بإسراء رسوله وحبيبه المصطفى ، فقال في كتابه العزيز "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير". وقال رسول الله y "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى".
الثالث : لأنها مفتاح الكعبة وقبر الرسول، من حازه تمكن من الأردن وما وراءه من بلاده، لارتفاعها ومناعتها. ولذا بادروا إلى سد هذا الثغر وحمايته حتى يدرأوا عنهم خطرا مروعا.
الرابع : لأنها عاصمة فلسطين، ومتحف أثارها الدينية التي تجمعت مدة ثلاثة عشر قرنا، وصلة الوصل بين الأقطار العربية، والمنارة التي يشع منها نور الهداية والخير.
رعي المسلمون القدس، ولم يفرقوا زمن حكامهم الورعين بين أصحاب الديانات السماوية، كما لم يفرقوا بين أنبياء الله. وصارت لهم ذمة ترعى وعهد يحفظ. وقامت في بيت المقدس حضارة روحية فذه. وتلاحقت المساجد والكنائس والمعابد، وارتفع اسم الله عاليا، واطمأنت القلوب وانشرحت الصدور. ولم يخل الحال من أوقات ضيق عانى منها جميع السكان، ولكنها لم تشتد حتى تبلغ محاكم التفتيش أو حرق المعابد ومحور أثار الأنبياء.
سار المسلمون في القدس على هدى التسامح الإسلامي الذي جسده، عمر بن الخطاب يوم دخوله لها. فقد زار كنيسة القيامة مع البطريرك صفر ونيوس واثر ان يصلي خارجها خشية أن ينازع أحد من المسلمين النصارى فيها أن هو صلى فيها وسأل عن الصخرة وحين وصل إليها أزال بيده ما تراكم عليها من قاذورات "وجد على الصخرة زبلا كثيرا مما طرحته الردم غيضا لبني اسرائيل، فبسط راءه وجعل يكنس ذلك الزبل، وتتبع المسلمون مساجد الأنبياء واحدا واحدا، ابتداء من ارايهم إلى آخر من دفن منهم في فلسطين، فأعادوا بناءها، وحافظوا على قدسيتها وطهروها تطهيرا.
ومن أقدم الآثار التي رعاها المسلمون وعدوها جزءا من تراثهم الديني مسجد سليمان ومما يسترعي النظر في صحن الحرم قبة السلسلة المجاورة لقبة الصخرة من جهة الشرق، وهذه السلسلة تنسب إلى سليمان بن داوود وقد كتبت فوق محرابها "يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق".
أبلغ من ذلك دلالة أن المسلمين أنشاءوا مسجدا في مكان يسمى "مقام النبي داوود" على ربوة جبل صهيون سكنته أسرة مسلمة. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن هذا المقام قبر النبي داوود. وهناك في داخل الحرم الذي يضم المسجدين العظيمين الأقصى والصخرة جامع يسمى قبة موسى، وجامع يسمى جامع كرسي سليمان وكلاهما تؤدي فيه الصلاة. هذا عدا الآثار التي تقع خارج بيت المقدس، ومن أشهرها مقام نبي الله ابراهيم في المدينة المسماة باسمه (الخليل) وفيه مسجد كبير.
يلفت النظر في هذا المقام أن المسلمين لم يتبنوا اثرا من أثار السيد المسيح مع ما له من مكانة فريدة نص عليها القرآن الكريم. ويرجع ذلك إلى أن الأماكن المسيحية المقدسة كانت وقت الفتح الإسلامي في حوزة المسيحيين أنفسهم، ونصت العهدة العمرية التي كتبها عمر بن الخطاب لبطريرك بيت المقدس " إنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا من خيرها ولا من صلبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم" وقد جاءت المسيحية لتبطل النسبة إلى جند معين التي كان يؤكدها بنو إسرائيل وتفاخرون بها. فمن أقوال السيد المسيح" ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبا، لأني أقول لكم أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاد لإبراهيم". وأكد ذلك بولس الرسول بقوله " ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون، ولا لأنهم من نسل إبراهيم هم جميعا أولاد. بل باسحق يدعى لك نسل ، أي ليس أولاد الجسد هم أولاد الله. بل أولاد الموعد يحسبون نسلا". والمقصود بالموعد مجيء السيد المسيح وقال أيضا "أن الذين يؤمنون بالله هم أبناء إبراهيم، فالذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن" وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله " أن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين" ومن هنا كان طلب التبطريك صفرونيوس ان تتضمن العهدة العمرية نصا "ان لا يسكن بايلياء -بيت المقدس- معهم أحد من اليهود".
وحين تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة سنة أربعين للهجرة زار بيت المقدس وصلى عند جبل الجلجلة ثم ذهب إلى الجلسمانية وصلى عند قبر السيدة مريم. وهما من أقدس الآثار المسيحية في المدينة.
اهتم المسلمون بالمدينة المقدسة اهتماما كبيرا. فلم تمر مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي على اختلاف دولة، إلا أقام المسلمون في القدس بناء حديثا أو أصلحوا بناء قديما.
ففي عهد الخلفاء الراشدين أقام عمر بن الخطاب مسجدا، وقد بلغ من احتفائه بالصخرة المشرفة ان أزال بيده ما تراكم عليها من تراب وأقام عليها المصلى.
وفي العهد الأموي بني عبد الملك بن مروان مسجد الصخرة، ورصد لبنائه خراج مصر لسبع سنين، ونقش اسمه على القبة مع تاريخ البناء سنة 72هـ. ثم توالى الخلفاء والأمراء فجددوا وزخرفوا حتى أضحى المسجد بشاهدة أحد المؤرخين الغربيين (من أجمل الابنية الموجودة فوق هذه البسيطة، لا بل من أجمل الآثار المسجد التي خلدها التاريخ). وبنى عبد الملك المسجد الأقصى واتمه ابنه الوليد، وتوالى على تجديده، وتزيينه بالنقوش والقناديل والسجاجيد عدد كبير من الخلفاء والأمراء، آخرهم الملك المغربي المجاهد محمد الخامس الذي فرش مسجد الصخرة بالسجاد الفاخر، وفيه تلقى خطبة الجمعة فتجيش القلوب وتفيض العيون بالدموع. وقد شرع ملوك بني أيوب في فعل الآثار الجميلة بالمسجد الأقصى. منهم الملك العادل سيف الدين أبو بكر أخو السلطان صالح الدين. وتولى الملك المظفرة تقي الدين عمر بن شاهنشاه كنس أرض قبة الصخرة بيديه، ثم عسلها بالماء مرارا، ثم اتبع الماء بماء الورد، وطهر حيطانها، وغسل جدرانها وطهرها. وكذلك الملك الأفضل نور الدين علي والملك العزيز عثمان فعلا فيه أنواعها من البر والخير وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي يحمل الحجارة على سرج فرسه وينقله أن موضع بناء سور المدينة. يتولى ذلك بنفسه والجماعة خواصه والأمراء. ويجتمع لذلك العلماء والقضاء والصوفية والأولياء وحواشي العساكر والاتباع، فبنى في أقرب مدة ما يتعذر بناؤها في سنين. ويوجد إلى اليوم في الطرف الجنوبي من ساحة الصخرة شاهد يذكر فيه تعمير صلاح الدين الخندق. وتوالى على تجديده وتزيينه بالنقوش والقناديل الخ…
وبنى عدد من المسلمين قببا في صحن الصخرة وبجوارها قبة المعراج، وقبة محراب النبي، وقبة يوسف، وقبة سليمان، وقبة الخضر، ومحراب داوود.
وبنوا في الحرم وحوله مآذن وأروقة وأبوابا وسبلا وصهاريج للاستسقاء وكل واحد منها أثر تاريخي عليه نقش أو شاهد ، وله سمة عصره من زخرف وخط ودعاء.
واتخذ المسلمون من ساحة الحرم الشريف والمسجدين الكبيرين والأروقة مدارس يدرسون فيها علوم الدين. وقصد معظم الحجيج بيت المقدس، في ذهابهم إلى بيت الله الحرام وفي عودتهم منه ، حتى أضحت المدينة المقدسة مزارا يتبرك به المسلمون تبركهم بالكعبة المشرفة. واستحبوا الاحرام بالحج والعمرة منه. ففي سنن أبي داوود من حديث أم سلمة قالت : قال رسول اله صلى الله عليه وسلم : "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى غفر الله ما تقدم من ذنبه" واحرم منه جماعة من السلف كابن عمر ومعاذ وكعب الاحبار وغيرهم.
وتعلقت قلوب المسلمين بالمدينة، وحنوا عليها وافتدوها بالمهج، وأحاطوها بالرعاية ، وعبروا عن شعورهم هذا في ما كتبوا من رسائل وكتب في فضائل بيت المقدس.
روى ابن ماجة في سننه عن ميمونة مولاة سول الله قالت : قلت يا رسول الله افتنا في بيت المقدس قال : "ارض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره" وروى عن رسول الله قوله : " من مات في بيت المقدس فكأنما مات في السماء" . وعن أبي عباس قال : من حج وصلى في مسجد المدينة ومسجد الأقصى في عام واحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وعن ابن عباس انه قال : قال رسول الله "من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس".
وعن انس بن مالك قال : "إن الجنة تحن شوقا إلى بيت المقدس، وصخرة بيت المقدس من جنة الفردوس، وهي صرة الأرض".
ودفن في المدينة عدد كبير من الصحابة والتابعين والمجاهدين منهم الصحابي عبادة بن الصامت الأنصاري، والصحابي شداد بن اوس، والزاهدة أم الخير رابعة العدوية، والمتكلم محمد بن كرام صاحب الفرقة الكرامية ، والمحدث بكر بن سهيل الدمياطي.
بنى المسلمون في مختلف العهود مساجد بلغت 34 مسجدا معظمها في داخل المدينة القديمة.
وبنوا عددا كبيرا من الزوايا، يؤمها الحجاج من مختلف البلدان الإسلامية كالزاوية النقشبندية للحجاج الوافدين من الباكستان، وزاوية الهنود للحجاج القادمين من الهند، والزاوية القادرية للحجاج الواردين من الأفغان، وفي كل زاوية مسجد وغرف للنوم، ولها أوقاف.
وأنشاءوا عددا من المقابر الأثرية التي تضم وفاة الصحابة والتابعين من جاء بعدهم من علماء ومجاهدين وحكام، وفي (الأنس الجليل) أسماء من توفي ودفن فيها، نذكر من الصحابة والتابعين : عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وفيروز الديلمي، وسلامه بن قيصر، وذا الأصبع ، وأبا محمد البخاري.
وأنشاءوا مدارس لطلب العلم، بلغ عددها 56 مدرسة حفلت بالعلماء من أهل المدينة وخارجها الوافدين من المشرق والمغرب، واوقفوا عليها المصاحف والمخطوطات النادرة ولا تزال معظم هذه المدارس قائمة حول الحرم بأبوابها الحديدية الكبيرة ونقوشها المزخرفة وساحاتها الواسعة، وكان المسجد الأقصى نفسه يحتوى على مكتبة كبيرة كما كان الحال في جامع قرطبة والأزهر والقيروان، وكان العلماء يقصدونه من الأندلس والمغرب ومصر والعراق وفارس للدرس والتدريس وفي المتحف الإسلامي - اليوم - صندوق كبير يضم مصحفا مخطوطا كتبه بيده أحد ملوك المغرب خصيصا للمسجد الأقصى.

إن الكثرة العظمى من هذه الأماكن الاسلامية التي ذكرناها ـ عدا المقابرـ قائمة في المدينة القديمة المحاطة بسورها الاثرى الذي جدده آخر مرة السلطان سليمان القانوني في القرن العاشر الهجري. وإذا علمنا ان المدينة القديمة صغيرة، اذ تبلغ مساحتها 868 دونما ـأي 868 ألف متر مربع ـ يشغل منها الحرم القدس وحده 26 دونما، تبين لنا صحة القول ان المدينة أضحت مع الزمن متحفا أثريا غنيا الأبنية والنقوش والزخارف والقناديل النادرة التي لا تقدر بثمن ولا يمكن ان يوجد لها بديل.
والخلاصة ان الآثار الإسلامية تجعل من هذه المدينة المقدسة التي لم يفتأ المسلمون في جميع عصورهم يرعونها بالاجلال والتعظيم، ويتعهدونها بالتعمير والتجديد، مدينة أعظم شأنا في نظرهم من (اروشليم) التاريخية في نظر اليهود بل يمكن ان تقف في صف واحد مع مكة والمدينة، وفي حديث للرسول عليه السلام أنها رابع مدن الجنة. ومن الناحية المادية والحضارية ليس لليهود أثر يذكر بشهادة جميع العلماء مسلمين ومسيحيين، ولذا فإن التفريط بهذه المدينة المقدسة هو تفريط بأقدس مقدسات المسلمين، وحرمان من ممارسة شعائرهم الدينية التي كلفتها جميع الشرائع والقوانين وخطر على سائر مقدساتهم في مكة والمدينة، وافتئات على الأوقاف الإسلامية والملكية الفردية، لا يمكن ان يصبر عليها المسلمون مهما تذرعوا بالحكمة وضبط النفس.
يوصلنا هذا العرض إلى تبين أن علاقة المسلمين بالقدس لا تبدأ مع الفتح الذي تم على يد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وانما أسست العلاقة في القرآن والعقيدة والسنة. فكانت القدس بالمسجد الأقصى أولى القبلتين بالنسبة إلى المسلمين منذ أوائل عهد الدعوة وكانت في صخرتها المسرفة النقطة التي أسرى منها الرسول صلى اله عليه وسلم ونزل في كل ذلك آيات كريمة مما كرسها في صلب العقيدة وتعزز ذلك في وصية النبي (ص) لشد رحال الحجيج إلى ثلاثة مساجد الرسول في المدينة والمسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس، وبهذا دخلت مدينة القدس وما حولها من أرض فلسطين كجزء من الإسلام قبل ان تدخل كجزء من تاريخ العرب والمسلمين وحضارتهم وتراثهم، وقبل أن تكون النقطة الاستراتيجية التي لا تقوم الوحدة بين مغرب بلاد العرب والمسلمين ومشرقها إلا بها ومن خلالها.
فالقدس بالنسبة إلى العقيدة الإسلامية أرضا مباركة مقدسة للمسلمين وهي جزء في التكوين الروحي الإيماني للمسلم ومن ثم لا يمكن تصور قبول المسلمين التفريط بحقهم فيها تحت أي ظرف من الظروف، بل يمكن القول أن ما من قوة إسلامية تملك حق التصرف بهذا الحق. ولعل من نافل القول التأكيد أن كل تفريط في هذا الحق باطل بنظر الإسلام ولو جاء بإجماع، لأن النص يظل فوق الإجماع.
لم يلبث التاريخ الإسلامي إن ارتبط بالقدس أكثر مما ارتبط بأية مدينة أخرى ذلك إنها كانت محط الأطماع لما تتمتع به من مركز روحي توحيدي وموقع استراتيجي عسكري - سياسي. وكان يكفي الاستيلاء عليها وانتزاعها من يد العرب والمسلمين حتى تتجزأ البلاد وتهن الأمة وتطعن في كرامتها وهذا ما يفسر ارتباط التاريخ الإسلامي بمدينة القدس روحيا وسياسيا وعسكريا. ويبرز هذا بصورة خاصة بعد الاستيلاء الفرنجي على القدس الذي امتد حوالي مائتي عام. مما جعل العالم العربي الإسلامي ينشد إلى تلك النقطة ويرتبط بها روحيا ونفسيا وسياسيا واستراتيجيا أكثر من ذي قبل. وقد أريقت أنهار من دماء المسلمين في سبيل استعادتها من الفرنجة الصليبيين ثم من المغول وما معركة عين جالوت إلا أحد الشواهد على ما بذل المسلمون من دماء على أرض فلسطين المباركة.
ولم تغب تلك الحقبة من تاريخ المسلمين التي ارتبطت بالقدس عن ضمير الأمة الإسلامية وروحها بعد ذلك. فقد كانت القصة التي يعلمها كل جيل للذي ييه. ثم عادت لتحيا من جديد مع أواخر القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر مع بروز علائم لتجدد الحملات الفرنجية عن طريف البرتغاليين وكان ذك من الأسباب الرئيسية التي جعلت الدولة العثمانية تصبح قوية الوحدة بعد أن قام العثمانيون بالسيطرة على البحر المتوسط وطرد البرتغاليين من بعض الشواطئ الإسلامية وإبعاد الخطر عن بيت المقدس، ولكن عاد الأمر فتجدد مع غزو نابليون إلى مصر ثم إلى فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ عادت القدس وفلسطين لتكون جوهر صراع العرب والمسلمين ضد الغزوة الصهيونية وبخاصة بعد أن سيطرت هذه الغزوة على شطر من القدس وأجزاء من فلسطين عام 1948.
وبلغ هذا الصراع ذروته بعد ان احتلت الغزوة الصهيونية القدس بكاملها وبقية أرض فلسطين إضافة إلى أراض عربية مصرية وسورية عام 1967، حيث أصبح المسجد الأقصى في الأسر وباتت قضية القدس القضية المركزية الأولى للعرب والمسلمين عامة.
إننا حين نتكلم عن مكانة القدس بالنسبة إلى المسلمين نبدأ بمكانتها في العقيدة والتكوين الروحي والنفسي وهي هنا راسخة قوية لا يمكن انتزاعها أو إبعادها ثم نعرج على مكانتها في تاريخ الأمة لنجدها في مكب الأحداث والصراعات والحروب، بذلت في سبيلها أعلى التضحيات جيلا بعد جيل. ثم إذا وقفنا أمامها لنراها من الزاوية الوحدوية للأمة العربية ومن الزوايا السياسية والاستراتيجية سوف نراها في ظل الاحتلال الإسرائيلي تشكل المركز في وجود الأمة وأمانيها ومصالحها وتطلعاتها. وهذا ما يفسر الدعوة للتضامن الإسلامي من أجل إنقاذ القدس وتصاعد دعوة الجهاد من أجل تحريرها، ومن هذا كله يمكن لشعوب العالم غير الإسلامية ان تتفهم ما تعني القدس بالنسبة إلى الشعوب الإسلامية عموما وللعرب خصوصا، لأن هذا التفهم قد يساعد على تجنب دفع الأمور إلى ما لا تحمد عقباه حين تطرح أو تفرض الحلول التي تمس عقيدة المسلمين وتهدر حقوق الشعب الفلسطيني تلك الحقوق التي يتمسك مليار مسلم باسترجاعها.
ويمكن بهذا الصدد القول أن تأكيد حق شعب فلسطين في القدس وفي فلسطين يجسد عند الإقرار به وتنفيذه تطلعات العالم المسيحي بأسره ناهيك عن المسيحيين الفلسطينيين والعرب. ذلك أن الطابع المسيحي للأماكن المقدسة المسيحية في القدس وبيت لحم والمناطق الأخرى لا يمكن أن يحافظ عليه إلا من خلال وجود المسيحيين الفلسطينيين الذين هم جزء من الشعب الفلسطيني وإلا أصبحت تلك الأماكن المقدسة من غير المؤمنين المحيطين بها أماكن أثرية تستهوي السياح ودارس الآثار. (وقد تنبه الفاتيكان إلى هذه النقطة مما دفعه إلى بذل جهود كبيرة للمحافظة على بقاء المسيحيين العرب في فلسطين وفي القدس وبيت لحم خصوصا) ومقاومة عمليات تهجيرهم من قبل السلطات اليهودية وهذا ما يجعل الشعب الفلسطيني هو الضامن الحقيقي لبقاء مدينة القدس بمقدساتها مدينة حج وسلام وتطهر روحي لكل المؤمنين على حد سواء خصوصا، إذا أخذ بعين الاعتبار أن شعب فلسطين ذو تقليد عريق في المحافظة على الأماكن المقدسة للأديان الثلاثة وسكنى المؤمنين من حولها وضمان حريتهم, لقد عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى تشويه معالم مدينة القدس والاعتداء على أماكنها المقدسة وتدنيسها وفرض الهجرة القسرية على سكانها الأصليين. فباشر عمليات الهدم التدريجي للمدينة القديمة ومعالمها التاريخية وأقام الأبنية الإسمنتية الكثيفة جالبا غليها آلاف المستوطنين اليهود الغربيين لاستيطانها. وهكذا نراه يسير في تهويد القدس وتحويلها عن دورها التاريخي كمركز روحي.
خامسا : الغزو الصهيوني للقدس وفلسطين
تعرضت القدس وفلسطين في مطلع القرن الرابع عشر الهجري للغزو الصهيوني. وبفعل هذا الغزو بدأ الوجود الصهيوني الاستعماري فيها وفي الوطن العربي. وقد مر هذا الغزو بمراحل متتالية على مدى قرون بطولة.
بدأ الغزو الصهيوني في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، وعاصر آخر موجة كبرى من موجات الاستعماري الأوروبي الحديث، وهي الموجة المدارية. وقد شهدت سنة 1772 م قدوم أول موجة من موجات الهجرة اليهودية المنظمة من أوروبا الشرقية. ولذا فقد اعتبرها المؤرخون الصهاينة سنة البداية.
كانت فلسطين آنذاك تحت حكم الدولة العثمانية التي أطلقت عليها دول أوروبا الاستعمارية اسم الرجل المريض. وكانت فلسطين تقع ضمن ولايات الشام ويقطنها شعب فلسطين العربي الذي كان عدده آنذاك دون المليون نسمة. وكانت غالبية هذا الشعب تدين بالإسلام، وفيه من يدين بالمسيحية، وفيه أيضا حوالي اثنا عشر الفا يدينون باليهودية. وقد تألف هؤلاء من يهود عرب فلسطينيين قطنوا منذ القديم ويهود اوروبيين قدموا إلى فلسطين منذ أوائل القرن التاسع عشر. وعاش هؤلاء جميعا في كنف التسامح الذي اتسم به العيش في الأراضي المقدسة إبان الحكم الإسلامي لها.
استمرت المرحلة الأولى من الغزو الصهيوني حمسا وثلاثين سنة حتى أواخر سنة 1917 م السنة التي احتلت فيها بريطانيا فلسطين ودخل اللورد اللنبي القدس . وخلال هذه المرحلة اصدر هرتزل الصهيوني كتاب "الدولة اليهودية" عام 1895. ودعا إلى عقد المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في بال بسويسرا عام 1897 م وبلور مخططات الحركة الصهيونية. وقد اخذ التهجير الصهيوني إلى فلسطين اثناء هذه المرحلة صورة التسلل لأن الدولة العثمانية لم تسمح به رسميا. واستغل الفساد الإداري في أجهزة الدولة للنفاذ وبلوغ أهدافه. ونشير هنا إلى محاولات هرتزل التي اجراها مع السلطان عبد الحميد الثاني من أجل أن يحصل على اذن منه بالتهجير واقامة وطن قومي للصهيونية في فلسطين، وفشلت هذه المحاولات أمام موقف السلطان الداعي لابعاد الخطر الصهيوني، كما نشير هنا إلى تحركات هرتزل مع دول أوروبا الاستعمارية لبناء تحالف صهيوني استعماري معها. وقد انعقدت مؤتمرات صهيونية تالية في هذه المرحلة وشهدت نقاشا حول المكان الذي يمكن أن يقوم فيه الوطن القومي. واستقر الرأي على فلسطين العربية.
استطاعت الحركة الصهيونية أن تهجر في هذه المرحلة حوالي خمسين ألف يهودي جلهم من أوروبا الشرقية. ويطلق المؤرخون الصهاينة على مهاجري هذه الرحلة اسم "الرواد" تشبيها لهم بالمستعمرين البيض الأوائل لامريكا. ومن هؤلاء المهاجرين دافيد بن غوريون الذي قدم مع موجة عام 1904 م. واستطاعت الحركة الصهيونية أن تستولي على حوالي 1% من أراضي فلسطين بشرائها بأساليب ملتوية من عائلات غير فلسطينية كانت تقيم خارج فلسطين. وبلورت الحركة الصهيونية في نهاية هذه المرحلة صلتها بالاستعمار العالمي فنقلت مركزها من اوروبا الشرقية إلى بريطانيا وتحالفت مع الاستعمار البريطاني الطامع بالسيطرة على فلسطين الوطن العربي، ورسمت معه ومع الاستعمار الفرنسي خطوط الحدود التي قامت فيما بعد بين فلسطين وأجزاء بلاد الشام الأخرى لبنان وسوريا وشرق الاردن، وذلك في معاهدة سايكس-بيكو عام 1916م.
كانت الظروف الدولية مواتية لهذا الغزو الصهيوني. فقد بدأ بعد فترة قصيرة من انعقاد مؤتمر برلين سنة 1878. الذي جاء في اعقاب الحرب بين روسيا والدولة العثمانية وشهد حوار الدول الاوروبية حول اقتسام مناطق النفوذ في الوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم غير الأوروبي عموما. وكانت أوروبا تعيش آنذاك ذروة نشاطها الاستعماري الذي اقترن بحدوث الثورة الصناعية فيها. وقد هيمنت على مقدرات أوطان وأمم في مختلف القارات. واشتد التنافس الاستعماري بين دول اوروبا في تلك الفترة. وواكبت بداية الغزو الصهيوني لفلسطين احتلال فرنسا لتونس عام 1881م واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882 ثم للسودان عام 1896 وشهدت المرحلة الاولى من هذا الغزو الصهيوني الوفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا عام 1904م الذي مهد لتحالف الدولتين في الحرب العالمية الأولى ولابرام معاهدة سايكس-بيكو كما شهدت ايضا غزو ايطاليا لليبيا عام 1911م. وغزو فرنسا للمغرب عام 1912م. وكان الوطن العربي قد تعرض منذ عام 1830م. للموجة الأولى من موجات الاستعمار العربي حين احتلت فرنسا الجزائر في ذلك العام، واحتلت بريطانيا عدن عام 1839م. ثم زحفت منها إلى سواحل الخليج. كما كانت عدة أقطار اسلامية قد وقعت في قبضة الاستعمار الغربي.
قاوم شعب فلسطين الغزو الصهيوني منذ أن بدا وعمل على عرقلة تقدمه جهد استطاعته. وقام بواجبه في تنبيه الامة العربية والعام الاسلامي لاخطار الصهيونية وقد روى بن غوريون في ذكرياته قصصا عن هذه المقاومة وكذلك فعلت الكتب الصهيونية التي أرخت لتلك الفترة. وحفظت سجلات مجلس المبعوثان خطب ممثلي شعب فلسطين التي انذرت بأخطار التآمر الصهيوني الاستعماري كما حفظت الوثائق العثمانية عموما تاريخ مقاومة شعب فلسطين. وكانت فلسطين تشهد آنذاك مع بقية الاقطار العربية انتعاش حركة اليقظة فيها. وقد عملت هذه الحركة جاهدة منذ مطلع القرن الثالث عشر الهجري "القرن التاسع عشر الميلادي" لتحقيق التقدم دفع أخطار الاستعمار الاوروبي.
دخل الغزو الصهيوني لفلسطين مرحلة جديدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. فقد صدر تصريح بلفور وزير خارجية بريطانيا إلى الحركة الصهيونية بالعمل على اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وجسد التصريح الذي صدر يوم 6 تشرين الثاني "نوفمبر" من عام 1917 التحالف بين الرحكة الصهيونية الاستعمارية وبين الاستعمار البريطاني. ومكن احتلال بريطانيا لفلسطين في كانون أول 1917م- أي بعد صدور التصريح وبعد تخليها عن التزاماتها تجاه العرب- الغزو الصهيوني من التغلغل في فلسطين. وجاءت اتفاقيات الصلح في فرساي أثر انتهاء الحرب لتقسم بلاد الشام والهلال الخصيب وتفرض الانتداب البريطاني على فلسطين. ألزمت بريطانيا نفسها في صك الانتداب بتهيئة الأوضاع في البلاد لاقامة الوطن القومي اليهودي فيها.

استطاع التحالف الصهيوني الاستعماري خلال السنوات التي عانت فلسطين فيها من الانتداب البريطاني أن يهجر مئات الألوف من يهود أوروبا إلى فلسطين العربية خصوصا في الثلاثينيات التي شهدت ظهور النازية في ألمانيا. كما استطاع هذا التحالف أن يغتصب حوالي %5.5 من أراضي فلسطين الخصبة بأساليب التسلط المعلن والترهيب الاستعماري. وهكذا ارتفع عدد اليهود في فلسطين من حوالي خمس وستين ألفا كانوا في بداية الاحتلال البريطاني إلى حوالي ستماية وخمسين ألف في نهايته عام 1947 بينما بلغ عدد شعب فلسطين آنذاك مليونا ونصف.
كان الاستعمار الاوروبي قد أكمل سيطرته على غالبية أجزاء الوطن العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وغالبية أجزاء العام الاسلامي. واشتدت مقاومة العرب ومقاومة الشعوب الاسلامية لهذا الاستعمار في جميع هذه الاجزاء، ومنها فلسطين التي شهدت انتفاضات وثورات على مدى العشرينات والثلاثينات بلغت ذروتها عام 1946 وحتى عام 1939. وفرضت هذه المعاومة على بريطانيا نوعا من التراجع اكثر من مرة ثم نشبت الحرب العالمية الثانية فطرحت معطيات جديدة على الصعيد الدولي. وتكيفت الحركة الصهيونية مع هذه المعطيات فنقلت مركز ثقلها إلى الولايات المتحدة التي برزت خلال الحرب العالمية وبعدها زعيمة للغرب.
وقد طرحت خلال هذه المرحلة ومنذ عام 1937 فكرة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. وصدر عن الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني "نوفمبر" 1947م، قرار التقسيم وسط ضغوط التحالف الاستعماري الصهيوني، فأعطى هذا القرار للدولة اليهودية اضعاف المساحة التي اغتصبتها الحركة الصهيونية من أرض فلسطين واكثر من نصف مساحة البلاد الكلية. ويلفت النظر بأن جل المهاجرين اليهود حتى نهاية هذه المرحلة كانوا من يهود اوروبا، الامر الذي ينسجم مع حقيقة أن الغزو الصهيوني في نشأته هو غزو استعماري استيطاني اوروبي. ويلفت النطر أيضا قيام المستوطنين الصهاينة بعد اصدار بريطانيا للكتاب الابيض عام 1939 بعمليات ضد سلطة الانتداب نظمتها بعض منظماتهم الارهابية. وقد اطلقوا على هذه العمليات اسم حرب الاستقلال ووصفوها بانها حركة تحرير ليركبوا موجة التحرير التي عمت منذ الحرب العاليمة الثانية قارتي آسيا وافريقيا، وليصطنعوا تاريها يغطي حقيقة التحالف الصهيوني مع الاستعمار البريطاني وكان هذا الكتاب الابيض قد نص على تحديد الهجرة اليهودية لفلسطين في أعقاب شعب فلسطين.
دخلت الغزوة الصهيونية مرحلة التغلغل هذه مع انتهاء الحرب العالمية الاولى في وقت اشتد تكالب اوروبا فيه على الاتعمار. ولكن الحرب غيرت في صورة القارة الاوروبية ومهدت لظهور المذاهب الجمعية فيها، وفرضت اعلان مبادئ حق تقرير المصير والسلام. وقد انعقد مؤتمر فرساي عام 1919 في أعقاب الحرب فجاءت قراراته ضربة موجعة لتلك المبادئ. وشهد المؤتمر حوار دول الغرب حول اقتسام مناطق النفوذ والمستعمرات تحت اسم الانتداب أو الوصاية. وهكذا مكن الانتداب البريطاني الغزوة الصهيونية من التغلغل في فلسطين، وتقاسمت بريطانيا مع فرنسا حكم غالبية اجزاء الوطن العربي بعد تجزئته. وكانت اوروبا في هذه المرحلة ما تزال تهيمن على مقدرات العارات الاخرى، وان برزت الولايات المتحدة الامريكية كقوة كبيرة إلى جانبها. وقد تعاظمت مقاومة الشعوب المستعمرة للاستعمار في تلك الفترة. وكان من امثلتها البارزة نضال شعب فلسطين العربي ونضال الشعوب العربية في بقية الوطن العربي. وظهرت أزمة القيم التي تعانيها الدول المستعمرة. وانعكست على تجربة عصبة الأمم. وهكذا تفجرت الحرب العالمية الثانية بعد عقدين من مؤتمر فرساي. ونلاحظ أن الغزوة الصهيونية استغلت هذا المناخ الدولي واثاره على السياسة الاوروبية لتتغلغل في فلسطين، والتقت مع النازية في اصطناع حملات الاضطهاد ضد اليهود في اوطانهم لبلوغ أهدافها في تهجيرهم. ونلاحظ أيضا أن النضال العربي دخل مرحلة جديدة في هذه الفترة، فبرز النضال الوطني الذي فرضه واقع تجزئة الاستعمار للوطن العربي، ويمكننا أن نرى بالنظرة الشاملة لحركات هذا النضال الوطني في مختلف الاقطار العربية أن كان متأثرا بحقيقة ترابط الامة العربية. وهكذا كانت الحركات تتجاوب عن بعد رغم التجزئة، ولقد نجح النضال العربي في أن يطرد الاستعمار من بعض هذه الاجزاء. وظهرت بوضوح موجة التحرير في الوطن العربي اثر انتهاء الحرب العالمية الثانية.
بدأ الغزو الصهيوني مرحلة جديدة عام 1948 بعد انسحاب بريطانيا من فليسطين وتسليمها اراض واسعة للحركة الصهيونية التي أعلنت قيام دولة اسرائيل. ونشبت في بداية هذه المرحلة حرب فلسطين التي يصطلح على اعتبارها الحرب الأولى في الصراع. وقامت الحركة الصهيونية بطرد حوالي مليون من أبناء فلسطين إلى الأراضي العربية المجاورة تنفيذا لمخططات الاستعمار الاستيطاني التي استهدفت احلال مستعمرين صهاينة حدد محلهم. وشهدت هذه المرحلة أثر ذلك تدفق موجات هجرة من يهود اوروبا أولا ثم من يهود الوطن العربي إلى فلسطين، وبلغ عدد الذين وفدوا حتى عام 1967 حوالي مليونين، فارتفع عدد سكان التجمع الاسرائيلي خلال مرحلة الغزو من ستماية وخمسين ألفا إلى حوالي مليونين ونصف متضاعفا أربع مرات. ومثل هؤلاء حوالي 13 % من اليهود في العالم. وتضاعفت أيضا مساحة الأراضي التي سيطر عليها الغزاة من خلال تسليم بريطانيا مساحات واسعة منها قبيل انساحبها وفقا لخارطة تقسيم 1947، ومن خلال تجاوز خطوط هذه الخريطة عام 1948 وتنفيذ اتفاقيات رودس عام 1949 واغتصاب مزيد من الأراضي العربية. وهكذا سيطرت الحركة الصهيونية على أكثر من 70% من مساحة فلسطين الكلية ونجحت في احتلال بعض الأحياء الجديدة من القدس. واستطاع أبناء القدس من خلال مقاومة ضاربة حماية المدينة القديمة والأماكن المقدسة فيها.
وهكذا شملت المساحة التي استولى عليها الكيان الصهيوني كل فلسطين عدا قطاع غزة والضفة الغربية ومساحة صغيرة جنوبي طبرية. وقامت اسرائيل بشن حرب على مصر عام 1956 متواطئة مع بريطانيا وفرنسا في محاولة منها للتوسع فاحتلت قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. ولكنها اضطرت إلى الانسحاب منها بعد فشل العدوان الثلاثي وحرب السويس. وكانت هذه الحرب هي الحرب الثانية في الصراع ودأبت اسرائيل قبل ذلك على القيام باعتداءات مستمرة على الضفة الغربية والقطاع وعلى الحدود السورية والمصرية.
نجحت الحركة الصهيونية خلال هذه المرحلة في إيجاد ما اسمته "اسرائيل الصغرى" "وشرعت تخطط لإيجاد إسرائيل الكبرى". وتغير تكوين المجتمع الإسرائيلي فلم يعد قاصرا على اليهود الأوروبيين، بعد أن هجرت الحركة الصهيونية إعدادا من يهود الوطن العربي إلى فلسطين. وان بقيت الهيمنة فيه للمستوطنين الأوروبيين. وبدأت أثار هذا التغير بالظهور تدريجيا. وقد وضح في هذه المرحلة طابع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني سواء في مفاهيمه العنصرية أو في أساليبه التوسعية. وتحلى أكثر مما تجلى في السياسة الإسرائيلية تجاه عرب فلسطين المحتلة الذين بقوا في أراضيهم والذين طردوا منها، واشتهرت من معالم هذه السياسة مذابح دير ياسين وقبية ونحالين وكفر قاسم، واغتصاب الأراضي، وسياسة التعليم، وتهجير العرب الفلسطينيين.
استجاب العرب لتحديات نكبة 1948 فدخل نضالهم ضد الغزو الصهيوني مرحلة جديدة. وحققت اليقظة في الوطن العربي انجازات كبيرة. وتدفقت موجة التحرير في العالم الاسلامي فاستقلت شعوب اسلامية كثيرة. وكان لفشل العدوان الثلاثي أثره الكبير على دفع حركات التحرير في آسيا وافريقيا. وخاضت الأمة العربية وشعوب آسيا وافريقيا تجارب هامة في مجال التحول الاقتصادي والتعاون السياسي. الامر الذي أقلق التحالف الاستعماري الصهيوني وحفزه على ضرب هذا التقدم.
وظهر على الصعيد الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية علم جديد شهد حدوث الانقلاب النووي. وتعاظم في هذا العالم دور كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بعد أن خرجت أوروبا الاستعمارية من الحرب منهمكة. وظهرت موجة التحرير الآسيوية الافريقية فساهمت في رسم خريطة العالم الجديد واذا كانت الدول الكبرى قد حاولت في مؤتمري يالتا وبوتسدام اللذين انعقدا عام 1945 رسم خريطة العالم فإن نضال الشعوب فرض تغييرات كثيرة على ما تم رسمه، وجعل من التحرير روح العصر. وظهرت تجربة الأمم المتحدة التي جعلتها موجة التحرير تحتلف عن سابقتها. كان انعقاد مؤتمر باندونغ عام 1955 نقطة تحول في الصورة الدولية حيث انطلقت صيحة الدول المستقلة حديثا. وبرزت فكرة العالم الثالث واسهمت في تخفيف حدة التوتر بين المعسكرين. وركزت الحركة الصهيونية على توثيق تحالفها مع الولايات المتحدة منذ أن تعاظم الدور الأمريكي في العالم.
واجه شعب فلسطين العربي في هذه ظروفا شديدة الصعوبة. فقد حلت به نكبة عام 1948، واحتلت اسرائيل أجزاء واسعة من وطنه، وفرض عليه هذا الاحتلال نزوح غالبيته الى الضفة والقطاع والبلاد العربية المجاورة. اهتزت مؤسساته وتصدع كيانه. وما أسرع ما أفاق من هول النكبة واستحاب لتحدياتها. حقق على مدى هذه المرحلة صمودا يلفت النظر في مواجهة محاولات تصفية قضيته. أقل أبناؤه على نشر العلم وتلقيه وحقوا ثورة تعليمية حافظت على هويتهم كشعب. باشر محاولات جادة للكفاح المسلح وساهم في التصدي للاعتداءات الاسرائيلية وقاوم عرب فلسطين الذين بقوا في أراضيهم تحت الحكم الاسرائيلي أبشع صور العسف والاضطهاد وحافظوا على هويتهم الوطنية. كما قاوم أهالي غزة الاحتلال الاسرائيلي عام 1956. وتضافرت جهود أبناء فلسطين في عدد من أماكن التجمع لابراز الكيان الفلسطيني، فقامت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964. وتفجرت الثورة الفلسطينية عام 1965، وبدات عملياتها ضد الاحتلال الاسرائيلي.
جاء قيام اسرائيل بشن حرب عام 1967 ايذانا ببداية مرحلة جديدة في الوجود الصهيوني الاستعماري في فلسطين والوطن العربي. فقد احتلت نهذه الحرب، التي هي الحرب الثالثة في الصراع، الضفة الغربية وقطاع غزة من أراضي فلسطين، والجولان من اراضي سوريا، وسيناء، من اراضي مصر. وضاعفت المساحة التي تسيطر عليها أربع مرات.

أصبحت اسرائيل تحتل مركزا استراتيجيا بالغ الخطورة. فقد جثمت قراتها على الضفة الشرقية لقناة السويس وساحل سيناء الجنوبي بين البحر المتوسط والبحر الاحمر في مواجهة دلتا النيل وواديه في مصر والسودان. وجثمت قراتها على طول الساحل الغربي لخليج العقبة وفي الجزر التي تتوسط مدخله في مواجهة شبه الجزيرة العربية، وعلى طول غور الاردن من رأس خليج العقبة حتى منابع نهر الاردن في مواجهة الضفة الشرقية للاردن ومن ورائه العراق والخليج، وعلى طول خط بين جبل الشيخ ورأس الناقورة في مواجهة سوريا ولبنان، وعلى طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط من رأس الناقورة حتى رأس العش شمال بورسعيد.
احتلت اسرائيل بهذه الحرب القدس الشرقية، وعملت على تهجير مزيد من يهود العالم إليها وإلى الاراضي العربية المحتلة. وشرعت في اقامة مستوطنات لهم في تلك الاراضي. وبدأت تتحدث عن "اسرائيل الكبرى" وتحكى عن "حدود التوراة" والحدود التاريخية في معرض الحديث عن "الحدود الدفاعية". وسيطرت على التجمع الاسرائيلي في هذه المرحلة مشاعر جنون العظمة والتفوق العنصري. وكان يمكن لهذه المشاعر أن يتفاقم تأثيرها لولا تصاعد مقاومة شعب فلسطين للاحتلال. ولولا تحرك النضال العربي في صورة حرب الاستنزاف التي ما أسرع أن نشبت ومارست اسرائيل تجربة استعمارية بشعة على أهالي فلسطين والجولان وسيناء فكشفت عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني العنصري في الحركة الصهيونية. وكان من جوانب هذه التجربة طرد وتشريد مزيد من العرب وفرص تهجير مدن بكاملها.
بقدر ما كان وقع خسارة حرب 67 شديدا على الأمة العربية بقدر ما قويت استجابة النضال العربي لتحدي هذه الحرب. فقد جابه بعزم العدوان الصهيوني فكانت حرب الاستنزاف. وتصاعدت مقاومة شعب فلسطين العربي التي استمرت بلا انقطاع منذ بداية الغزوة. واكتسبت أهمية بالغة وبخاصة بعد الانتصار الذي تحقق في معركة الكرامة عام 1968 وفرض حقيقة وجود شعب فلسطين على الصعيد الدولي.
كان العالم يشهد في تلك الآونة تحولا في العلاقات التي تحكم دولة. فقد أحدثت سياسة التعايش السلمي في كل من المعسكرين تغيرات هامة. وعمدت العوى الاستعمارية إلى محاولة ضرب حركات التحرر. وجاء عدوان 1967 ليمثل ذروة هذه المحاولات. واشتد الصراع بين الدول النامية والدول الغنية وعمدت اسرائيل إلى خدمة مصالح الدول الاستعمارية وسياساتها في الوطن العربي والعالم الثالث. كما عمدت إلى تقوية تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية. وبدت اسرائيل من خلال ممارستها تجسيدا لحقيقتها الاستعمارية الفريدة. "فهي ظاهرة استعمارية صرفة قائمة على الاغتصاب. وهي استعمار طائفي بحت أساسها التعصب الديني وهي استعمار عنصري مطلق بكل ما في العنصرية من استعلاء وتعصب واضطهاد ينطلق من اللون وزعم الشعب المختار. وهي قطعة من الاستعمار الاوروبي عبر البحار. وهي استعمار سكني توطني. وهي تجسيم للاستعمار المتعدد الأغراض السكني والاستراتيجي والاقتصادي. وهي استعمار توسعي يحلم بمجاله الحيوي. وهي استعمار من الدرجة الأولى والثانية معا بالاصالة والوكالة لحساب الصهيونية العالمية والاستعمار العالمي".
رسم مسار الغزوة الصهيونية خلال هذه المراحل الأربعة خطا متصاعدا. ثم نشبت حرب رمضان عام 1973 فرضعت حدا لهذا التصاعد. وتابعت الثورة الفلسطينية نضالها على كل الصعد وخاضت على الصعيد العسكري معارك مشرفة، فحققت انجازات هامة على طريق ابراز الكيان الفلسطيني والاعتراف الدولي بالحقوق الوطنية لشعب فلسطين. واحتدم الصراع العربي الاسرائيلي. وتزايد نزوع الحركة الصهيونية نحو التطرف في مواجهة النضال الفلسطيني، فركزت اسرائيل همها على اغتصاب القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
يمكننا أن نسجل عند هذا الحد ملاحظة عامة حول اتجاه الصراع الدائر فوق أرض فلسطين والذي يشمل بابعاده كامل الساحات العربية والاسلامية. وهي اننا نشاهد لاول مرة في تاريخ هذا الصراع بداية العد العكسي للغزو الصهيوني لفلسطين. واذا كان لهذا علائم كثيرة الا أن من هذه العلائم التغيير الهام الحاصل في المجال الدوبي بالنسبة إلى الدولة الاسرائيلية التي تعاني عزلة راحت تتزايد يوما بعد يوم، بينما أخذت القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، والمكانة العربية والاسلامية عموما، تزداد تاثيرا في النطاق الدولي وقد انعكس ذلك بما أخذت تناله الحقوق الثابتة للسعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في العودة وتقرير المصير واقامة دولته المستقلة من اعتراف دولي شبه كامل، وبما راحت تحظى به منظمة التحرير من اعتراف دولي يتزايد يوما بعد يوم، وبما أصبح للأمة العربية والاسلامية، خصوصا عندما تتحد كلمتها من صوت مسموع ومهاب على مستوى دولي.
أن طبيعة الصراع الذي تخوضه امتنا مع العدو الصهيوني تعطي لهذا التغيير أهمية أساسية في تاثيره على مجرة الصراع ومستقبله. لان هذا الصراع لم يكن يوما صراعا محليا له أبعاد دولية، وانما هو صراع دولي تكثف ويتكثف على أرض فلسطين، فالغزو الصهيوني جاء من الخارج، وبدعم من الخارج، وقامت دولته واستمدت قوتها، وما زالت، من خلال دعم عالمي لا مجال لنكرانه والجدال فيه. ولهذا عندما يتأزم وضعها دوليا وتبدأ الرياح تجري في هذا الميدان على عكس ما تريده أشرعة سفينتها تكون قد فقدت ركنا أساسيا من أركان قوتها وحياتها. واذا ما صحب ذلك تصعيد في النضال الفلسطيني وتكريس للوحدة الوطنية الفلسطينية ومزيد من الدعم العربي والاسلامي لمنظمة التحرير الفلسطينية، واذا ما صحبه تعزيز للتضامن العربي الاسلامي وتأكيد لارادة الأمة في تحرير القدس واحقاق الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وجهد دائم في مجال الاستعداد واعداد العدة عسكريا واقتصاديا واجتماعيا، فسوف تميل كفة الميزان إلى مصلحة فلسطين والبلاد العربية الاسلامية وتبدأ الامور تأخذ موقعها الطبيعي ومسارها الحتمي.
المصدر كتاب تاريخ فلسطين و القدس
|